الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 147 - أبريل2011م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

اصنع بيئتك المثالية..
تاريخ النشر : 26-04-2011 م
من لطيف ما يذكر قصة الشاعر الأعرابي علي بن الجهم الذي عاش حياته البسيطة في باديته المغلقة المحدودة، وعلى الرغم من كونه شاعرًا فصيحًا لم تشفع له هذه الصفات في تغيير شخصيته وتعامله فقد كان جلفًا جافيًا تقليديًا متأثرًا بحياته مع الأعراب البسطاء فهو لا يعرف سوى ما يراه من الصحراء وقسوتها وما بها من حياة البدو البسطاء ومفرداتهم المتأثرة ببيئتهم، وكان أبو جعفر المنصور خليفة متمكنًا يغدى عليه ويراح بما يشتهي. دخل علي بن الجهم بغداد يومًا فقيل له إن مدح الخليفة حضر عنده ولقي منه الأعطيات فاستبشر علي بن الجهم ويمم جهة الخلافة ودخل على أبي جعفر فرأى الشعراء ينشدون ويربحون. كان الخليفة المتوكل قمة في سطوته وهيبته وجبروته مما أبهر الشاعر الأعرابي علي بن الجهم وعزم على مدح الخليفة بأفضل ما لديه ليحظى بما يمكن من المنزلة لديه أو الأعطيات فانطلق مادح الخليفة بقصيدة قال فيها:
      أنت كالكلب في حفاظـك للـود                    وكالتيس في قراع الخـطـوب
      أنت كـالدلو لا عـدمنـاك دلـوًا           من كبار الدلاء كثيـر الذنـوب
فثار الخليفة وانتفض الحراس واستل السياف سيفه وفرش النطع وتجهز للقتل، ولكن الخليفة بفطنته أدرك أن علي بن الجهم قد غلبت عليه طبيعته التي يعايشها و ما مدحه إلا بما يراه حسنًا في نظره فعرف المتوكل قوته، ورقّة مقصده وخشونة لفظه، وذلك لأنه وصف كما رأى و‏لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان يتخلله نسيم ‏لطيف والجسر قريب منه، فأقام ستة أشهر على ذلك ثم استدعاه الخليفة لينشد، فقال:‏
      عيون المها بين الرصافـة والجسـر               جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
      أعدن لي الشوق القديم ولم أكن         سلوت ولكن زدن جمرًا على جمر
      خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره                 أعرفني بالحلـو منـه وبالـمـرَّ!
      كفى بالهوى شغلاً وبالشيـب زاجـرًا              لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر
      بما بيننا مـن حرمـة هـل علمتمـا                 أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
      وأفضح من عيـن المحـب لسّـره                  ولا سيما إن أطلقـت دمعـة تجـري
      وإن أنست للأشياء لا أنسـى قولهـا               لجارتها: مـا أولـع الحـب بالحـر
وقال في مدح المتوكل: ومن قال أن البحر والقطرِ أشبها      يَداهُ، فقد اثنى على البحرِ والقطرِ، فقال المتوكل: أوقفوه، فإني أخشى أن يذوب رقة  لطافة.
إنها النفس والعقل البشري والتركيب الإنساني البديع الذي يتأثر حتمًا لما حوله وكما قيل أن الإنسان هو ابن بيئته، وبهذا فإذا كانت البيئة إيجابية وعملية وبها المقومات الداعمة للنجاح والإبداع فهي بهذا ستكون من أكبر العوامل المعينة على التغير نحو الأفضل. ووفقًا لرسالة ماجستير حول أثر بيئة العمل على التسرب الوظيفي للباحث (حماد صالح الظاهرى) فإن بيئة العمل تعتبر من العوامل المحفزة على الهجرة من أو إلى تلك البيئة. صحيح أنا مجبرون أحيانًا بأن نعيش في بيئاتنا المختلفة وليس باستطاعتنا الهجرة منها إلى بيئات أخرى مثالية كما حصل للشاعر المحظوظ في بداية هذا المقال ولكن باستطاعتنا صناعة جزء كبير من بيئتنا الخاصة، وإلا كيف برز ونجح نيلسون ماندلا في فرض ما يريد وأصبح رمزًا للكفاح والنجاح والتغيير والعطاء بجنوب إفريقيا رغم ما كان يعيشه في بيئة الظلم الجائر والسجن المظلم وحياة العبودية القاسية. لقد صنع ماندلا لنفسه بيئة فكرية من النجاح والطموح والتحدي تمخضت عن شخص يعتبر من أعظم المغيرين في عصرنا الحديث، من النقاط التي نمتلكها لتغيير بيئتنا الخاصة تغيير بيئتنا العقلية والذهنية إن لم نستطع أن نغير البيئة الفعلية من حولنا وأن نحكم ونفسر الأحداث والوقائع كما نحب أن تكون وبصورة إيجابية وبهذا نستطيع أن نصنع بيئة نفسية وذهنية مثالية لنا، كلنا يستطيع أن يحدد نوعية الزملاء والمخالطين فلنصنع منهم بيئة اجتماعية دافعة وداعمة ومحفزة لنا، لنحدد نوعية ما نقرأ أو نسمع ونشاهد فكل ذلك يسهم في صنع بيئة فكرية إيجابية من حولنا، وبعدها يجب أن ننغمس في العمل الجاد المثمر الذي يطور مواهبنا وقدراتنا وبها نستطيع أن نسهم في تغيير القصور الوارد في بيئتنا الفعلية نحو الأفضل.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: