الجمعة    18-08-2017م
غلاف العدد
العدد: 176 - ذو القعدة 1434 هـ - سبتمبر 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

القياس المقارن
تاريخ النشر : 29-09-2013 م
تتفق المؤسسات الناجحة على أهمية وضرورة ما يمكن أن نسميه «الذكاء الجمعي»، وهو ذلك الذكاء الذي يتم الاعتماد عليه في تجميع حواصل القدرات الذكائية لمجموع أفراد المجتمع الواحد. والعالم الآن يدرك جيدًا أنه لن يقوى على مواجهة تحديات العصر إلا بالتكتلات وبالترابط المشترك بين الأفراد وبين المؤسسات، بل حتى بين الدول. حتى أن بعض الجهات العالمية ترى أن التكتلات التي تقل عن 300 مليون قد لا يكون لها مكان على خريطة العالم المتقدم بشكل فعال. وما سبق يدعو إلى ألا يكون هناك انعزال عما يحدث من حولنا لتحقيق التقدم والتنمية والرقي والاستفادة بخبرات السابقين.
ولا تقتصر أهمية الاستفادة بخبرات وتجارب السابقين والمتقدمين على الأفراد فقط، بل وعلى المؤسسات والدول. كما أن هذا المسار لا يخص التنافسية في مجال الأعمال وحدها، وإنما أيضًا في كل المجالات بما في ذلك مجالات العمل الحكومي والخيري وغيرها. والقياس المقارن  Benchmarkingيعتبر من الضرورات للتواصل التنموي مع من حولنا، حيث لا تستطيع مؤسسة واحدة أن تساير التطور في كل شيء دون أن تشارك الآخرين ما لديهم من معارف للتحسين والتطوير. إن الآخرين لديهم ما يمكن تعلمه وتطبيقه وتطويره أحيانًا. وقد تكون بين المتنافسين بنفس مجال الصناعة، كما قد تكون بين مشتغلين بصناعات مختلفة يمكن الاستفادة بتجاربهم وخبراتهم في مجال آخر مختلف بطريقة أو بأخرى.وكما تقول الحكمة ThinkDifferentlyBeGloballyتجد المؤسسات الناجحة تفكر عالميًا بالقياس المقارن نحو الممارسة الأفضل والأنسب بحدود مواردها المتاحة. وتطلق بعض الترجمات الأخرى للقياس المقارن ومن بينها «القياس المرجعي» و«المقارنة المرجعية».
وقد أقيمت مؤسسات عالمية لتقديم خدماتها حول نقل المعارف والتراكم العالمي لمخزون معرفي حضاري للمؤسسات وإنجازاتها وتصنيفاتها المختلفة بحسب النشاط أو الدولة أو غير ذلك. ويتم الرجوع الى تلك المؤسسات في عمليات الرصد والتقييم وطلب الدعم على مسار التبادل المعرفي ونقل الخبرات بين مجتمعات العالم المختلفة. كما تسعى كثير من الدول والمؤسسات العالمية المتخصصة إلى إنشاء قوائم لعناصر رضا العملاء CustomerSatisfactionIndex. وغاية الأمر أن مناخ العمل يتسم بالتطور السريع وتضخم هائل من الاختيارات أمام العملاء، لا تستطيع مؤسسة واحدة أن تساير التطور في كل شيء دون أن تتشارك أو تشارك الآخرين ما لديهم من معارف للتحسين والتطوير.
ما هو القياس المقارن؟
إن القياس المقارن هو عمل يومي نحدد من خلاله الفروق بين القيم في كل تفاصيل حياتنا اليومية وليس بمؤسساتنا فحسب، بل في كل أعمالنا وحياتنا اليومية كأفراد. فالأرقام لا تعطي مدلولاً بحد ذاتها إلا إذا تم نسبتها إلى قيمة معينة. ولصياغة مثال على ذلك، لو قلنا رقم «مليون» هل هو رقم كبير أو صغير؟ فإننا لا نستطيع أن نحدد إلا إذا عرفنا باقي السؤال. فلابد أن نوضح بالسؤال (كبير أو صغير بالنسبة إلى ماذا؟) فلو قلنا (بالنسبة لراتب فرد بوظيفة محترمة) لكانت الإجابة أنه (كبير). أما إذا كان الرقم مثلاً ليعبر عن ميزانية (دولة معينة) لكانت الإجابة (صغير جدًا وغير معقول). إذن نفس الرقم أطلقنا عليه كبيرًا وصغيرًا بعد أن قارناه قياسًا بقيمة أخرى لنتعرف على الفرق بينهما.
القياس المقارن: أطلق عليه مفكرو الإدارة أربعة أسماء رئيسية. فقد وصفها البعض بأنها أداة Tool, ونظر إليها آخرون على أنها طريقة Method, بينما يراها البعض أسلوبًا Style، وفريق رابع أطلق عليها عملية Process. وعلى الرغم من الاختلاف اللفظي، إلا أن هناك شبه اتفاق وإجماع على الغاية الرئيسية والمضمون الجوهري للقياس المقارن. فالقياس المقارن أداة وطريقة إدارية متمثلة في عملية مقارنة أداء المنظمة بأداء المنظمات ذات الممارسات الأفضل. وهنا يتضح مجموعة من الجوانب يجب التنويه بها عند الحديث عن القياس المقارن:
• الجوهر الأساسي للمقارنات المرجعية هو السعي نحو تحسين الأداء من خلال الاستفادة من خبرات وتجارب وأداء الآخرين.
• المقارنات المرجعية لمقارنة أداء المنظمة بمنظمات أخرى ذات ممارسة أفضل.
• يمكن أن تكون الممارسسات الأفضل بشكل عام في عدة مجالات، وقد تكون في مجال جزئي معين.
• قد تكون الممارسات الأفضل متمثلة في تشكيلة معينة لمجموعة منظمات رائدة وليس لمنظمة واحدة، فقد تكون الأولى ذات ممارسة أفضل في الإدارة المالية، بينما الثانية في مجال التسويق .... وهكذا.
• يمكن تطبيق المقارنات المرجعية على مستوى الأفراد أو المنظمات الحكومية أو الخيرية أو حتى على مستوى الدول.
• الممارسة الأفضل قد يتم تحديد الممارسة الأعلى، وقد تكون الممارسة الأفضل ليست الأنسب ليحتذى بها في خطة التنمية التي تسعى إليها المنظمة في بعض الأحيان.
والقياس المقارن عملية مستمرة لجمع المعلومات اللازمة عن المتنافسين بغرض تحديد وقياس الفجوة أو الفرق بينهما في المستوى داخليًا أو خارجيًا وذلك بهدف التحسين والتطوير المستمر في المنظمة لكسب عملاء جدد وفتح أسواق جديدة. ويبدأ القياس المقارن بتحديد النشاط المطلوب دراسته ثم تحديد الجهة الرائدة (داخلية أو خارجية)، ثم تحديد البيانات اللازمة، ثم جمع البيانات وتحليلها ومقارنتها بالحالة الموجودة والتعرف على فجوة الأداء واقتراح خطة التطوير والتحسين ومتابعة عمليات الرصد والمقارنة بشكل مستمر.
مفهوم «أفضل الممارسات»
يعتمد القياس المقارن بشكل أساسي ومبدئي على ما يسمى «الممارسة الأفضل». إن القياس المقارن هو القاسم المشترك الأساسي على طريق التطوير والتنمية، فمن خلال القياس المقارن يتم تحديد قيمة كبرى مرجعية يطلق عليها الممارسة الأفضل، ويتم على أساس تلك القيمة وقياس الفجوة بين الأداء الحالي وقيمة تلك الممارسة الأفضل يتعين حجم الفجوة الكائنة بين الأداء الحالي والمستهدف. كما أن القياس المقارن يستمر مع خطط العمل التنموي والتطويري بشكل دائم لمراجعة تلك الفجوة ومدى التغير الحادث بها بالنقص أو الزيادة. ويتحتم الإشارة إلى عدة توضيحات حول مفهوم الممارسة الأفضل بعد أن تم التعرض المبدئي لمضمونها الرئيسي. الأصل هو أن تكون تلك الممارسة الأفضل هو أن تكون أعلى ممارسة على مستوى الصناعة في كافة أنحاء العالم، فحينما نتكلم عن أعلى مستوى أداء معين فإن القيمة التي سيتم أخذها بالاعتبار ستكون أعلى قيمة تم رصدها على مستوى الصناعة بشكل عام على المستوى الدولي. وليس المقصود بالصناعة هو المصانع السلعية فقط وإنما هو مصطلح فني يشير للتخصص الفني سواء كان صناعة سلعية أو خدمية. ولذلك يتم إطلاق الصناعة على صناعة المعلومات وصناعة السياحة والفندقة وغير ذلك.
والممارسة الأفضل قد يتم تغيير قيمتها باستمرار، فمثلاً قد يكون أعلى معدل بالعالم للخدمة المصرفية للموظف الواحد بالبنك بقيمة معينة، فيحقق أحد البنوك في أي مكان بالعالم لمعدل أفضل فيأخذ لقب الممارسة الأفضل. ومن هنا فعلى جهات القياس العالمية التحديث المستمر وفقًا لمؤشرات أداء حقيقية وفعالة وصادقة بكل الصناعة على مستوى العالم، حيث سيتم الاعتماد عليها وأخذها بالحسبان لوضع خطط التطوير والتنمية بالمؤسسات المعنية. والممارسة الأفضل قد يستخدم لها محددات وضوابط تقسم مستويات شموليتها. فقد يتم استخدام مصطلح «القيمة الأمثل» أو «القيمة الأنسب». وتشير تلك المصطلحات إلى ما يمكن أن يقوم به القائم بالتطوير بوضع مراحل للوصول إلى الممارسة الأفضل. فعلى سبيل المثال، قد يتم أخذ مؤشرات أفضل جامعة سعودية عند صياغة خطط لتطوير جامعة سعودية أخرى أقل في الأداء، وهذا يعتبر مثالاً على تطبيق الممارسة الأفضل. ومن خلال هذا المثال يمكن بعد النجاح في تطبيق الممارسة الأنسب أن يتم وضع خطة لممارسة أعلى منها على مستوى إقليمي أو دولي وهكذا. وقد تختار إدارة مؤسسية أخرى أن تبدأ مباشرة بالممارسة الأفضل والأعلى على المستوى الدولي. وتلك الموازنات يتم تحديدها وفقًا لمجموعة من الاعتبارات والمتغيرات التي تؤخذ في الحسبان عند وضع خطط التنمية والتطوير.
ولماذا القياس المقارن مهم؟
أصبح القياس المقارن الآن من الأساليب والأدوات الحتمية والضرورية لمديري التطوير على كافة المستويات القصيرة والاستراتيجية بعيدة المدى. ولو أن مؤسسة أو فردًا بدون أن يضع له قيمة يقيس عليها مدى تقدمه أو تأخره، فعندها ستكون مشكلة كبيرة. لأنه لن يرى إلا أين يقع أداؤه كفرد أو كمؤسسة على خريطة الصناعة التي ينتمي إليها أو على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. وكثيرًا ما ننصح الآباء في دورات التنمية البشرية والأسرية، بألا يوصلوا لأبنائهم كلمة «الأول» على المدرسة!! وقد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، ولكن توضيح السبب في تلك النصيحة، أنه لربما رسب كل من بالمدرسة إلا واحدًا، وحينها يكون هذا الناجح هو الأول على المدرسة حتى ولو كان قد حصل على أقل معدل للنجاح فقط!!. وفي مثال آخر حول التحفيز الوظيفي، ننصح مديري الموارد البشرية كذلك بعدم تربية روح التنافسية السلبية بين الموظفين بالتسابق حول أفضل أداء، أفضل موظف.... إلخ، وإنما يمكن الاستغناء عنها بموظفي الأداء المثالي وهم كل من حققوا معدل إنجاز مرتفع معين مسبقًا حتى لو تحقق بمعرفة كل فريق العمل.
إن ما سبق ليس معناه نفي أهمية التميز والتفوق، وإنما هو فقط لبناء روح الفريق والتنافسية الإيجابية التي تدعو الجميع لأداء راق دون أدنى خسارة لو اجتهد الآخرون أيضًا، وبديهي جدًا أن الجوائز لو تم تقديمها للأول ولشخص واحد فقط، فسيفقدها الآخرون حتى لو كانوا من أصحاب معدلات الأداء المرتفعة. ومن التجارب الرائعة التي أقترحتها على بعض الجامعات، أن يتم عمل مسطرة لقياس الأداء الوظيفي يتم تشكيلها من عدة بنود في الأداء، بحيث تكون القيمة المعيارية لكل بند هي أعلى قيمة بين أداء الموظفين في هذا البند. فيكون مثلاً الموظف «س» صاحب أعلى قيمة في البند الأول، والموظف «ص» هو صاحب أعلى قيمة في البند الثاني، وهكذا إلى أن يتم تشكيل مسطرة لقياس الأداء المثالي بين الموظفين.
ولعل أبرز جوانب أهمية القياس المقارن ما يلي:
• دعم توجهات رسم وتحديد المسارات الاستراتيجية للفرد أو المؤسسة أو الدولة بحسب المهتم بالقياس المقارن.
• التعرف على المستويات العالمية في مجال الصناعة بشكل عام، وخاصة للمهتمين بالتعامل مع الأسواق الخارجية بالمنح أو التلقي.
• توليد الأفكار في مجالات التطوير والتنمية من خلال تصنيفات منهجية منظمة بالقياس المقارن، ومن خلال تجارب وخبرات يتم تجميعها والاستفادة منها.
• دعم المؤسسات في إطار العولمة والتواصل الدولي بالتقارب بين مستويات الأداء للمؤسسات بالعالم.
• المساعدة في التعرف على الفجوات ومواطن الضعف والخلل بالأداء وسبل علاج الجهات الأخرى المثيلة لها.
• الاتجاه نحو موضوعية التقييم والابتعاد عن التقييم المتحيز غير الموضوعي، على مستوى الفرد أو المؤسسة أو الدولة.
ما هي أنواع القياس المقارن؟
هناك عدة تقسيمات لموضوع القياس المقارن. ولكن أكثر هذه التقسيمات انتشارًا هو التقسيم إلى قياس مقارن (داخلي وآخر خارجي). والمقصود به مجال تطبيق القياس وكونه داخل أو خارج المنشأة أو الدولة أو الصناعة. كما يوجد تقسيم آخر يمكن دمجه بالأول، وهو ما يتم من خلاله تصنيف القياس المقارن بحسب الهدف المطبق من أجله القياس بحيث يتفرع القياس المقارن الخارجي إلى مجموعة من التقسيمات كما يلي:
• قياس مقارن تنافسي، ويكون بغرض مقارنة المنشأة بمنافسيها. وتتركز بمقارنة دقيقة بمجال الصناعة وبالمنشآت المنافسة.
• قياس مقارن وظيفي، بين الوظائف المختلفة والمتشابهة لمقارنة فعالة ومفيدة من الجانب الوظيفي. وقد تتشابه الوظائف وتكون المقارنة أكثر اتساعًا، كما قد تختلف الوظائف وتكون المقارنة بمجالات مشتركة بين تلك الوظائف.
• قياس مقارن عام، لعقد مقارنات عامة وظيفية وإدارية وغيرهما على كل المستويات والمجالات المتنوعة.
• قياس مقارن استراتيجي، ويكون على المسارات الكلية بعيدة المدى التي تصوغ الرؤية العامة ورسالة المنشأة وتحولاتها. ومثل هذه النوعية من المقارنات يتم عقدها على فترات متباعدة نسبيًا عن غيرها من القياسات الأخرى. حيث يتم المراجعات لهذا النوع بفترات بينية تكون بالسنوات غالبًا.
• قياس مقارن للأداء، ويتم لعقد قياسات لمقارنة أداء المنشأة بمنشآت أخرى. وقد يكون في بداية الأمر يبدو وكأنه تكرار للتصنيفات الأخرى، إلا أنه يختلف في أنه يركز على الأداء فقط ولا يتطرق إلا باقي جوانب المقارنات الأخرى المتعددة.
• قياس مقارن للعمليات، يتم فيها مقارنة العمليات التفصيلية والخطوات الدقيقة للتنفيذ. لأنه أحيانا قد يتشابه الأداء والتخطيط وتختلف النتائج والمخرجات باختلاف العمليات وفعاليتها.
وغاية الأمر في التصنيف، هو تسهيل مهمة دراسة وتطبيق القياس المقارن بمجالات التطبيق المختلفة للأشخاص أو المنشآت أو حتى الدول. كما أن التصنيف أصبح ضرورة حتمية بعد تعدد الهيئات الدولية المهتمة بالقياس المقارن، فيجد المهتم عدة خيارات أمامه ليتبعها في القياس ومتابعة التقدم من حيث جودة الإنتاج أو الإدارة أو السلامة المهنية ونظم الحماية وغير ذلك.
ما هو أصل حكاية القياس المقارن؟
تعود نشأة القياس المقارن إلى عام 1810 عندما قام الإنجليزي Lowellبدراسة أفضل الأساليب الصناعية المستخدمة بمعامل صناعة الدقيق، وفي عام 1913 قام الأمريكي Fordبتطوير خط التجميع كأسلوب صناعي متميز بعد جولاته في مواقع ذبح الأبقار في شيكاغو. ثم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 بدأت اليابان تطبق القياس المقارن على نطاق واسع، وتحديدًا في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين لجمع المعلومات واستقطاب الأفكار ومحاكاة جوانب تطور الشركات الأمريكية حتى يخرج إلى العالم ابتكاراتهم في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وقبل أن تكون تسمية القياس المقارن موجودة في قاموس الأعمال باسمها المتعارف عليه الآن.
أما النشأة الحقيقية المنهجية للقياس المقارن عام 1979 من خلال شركة Xeroxالأمريكية، وإسهاماتها في تسمية هذا الأسلوب وصياغته الأولية بشكل علمي يعتمد خطوات محددة تؤدي إلى تحسين أداء المنظمات. ومن هنا يتضح أن القياس المقارن له نشأتان. الأولى كانت متمثلة في نشأة الفكرة والثانية في التسمية وبداية المنهجية العلمية في تطبيق القياس المقارن. كما أن دراسة نشأة القياس المقارن لا تعني أنها لم تتطور منذ هذه البدايات، وإنما فقط تشير لنقاط تاريخية. حيث توالت بعد تلك البداية تطبيقات متعددة للقياس المقارن من خلال العديد من الشركات الأمريكية ثم غير الأمريكية. ثم تلت ذلك مرحلة تم من خلالها إنشاء جمعيات متخصصة للقياس المقارن بمسميات مختلفة حول قياس مستويات الأداء والجودة وغيرها.
يتبين من تحليل تاريخ تطور فكر القياس المقارن أن المبادرات والإبداعات الفردية كان لها درو كبير ورائع في نشأته وتطوره بشكل كبير ومتسارع. كما أن الصحيح أنه لا يوجد نظام جامد للقياس المقارن، وإنما لابد من بصمته ببصمة من يقوم بالقياس المقارن. ويتحتم على من يطبق القياس المقارن كفرد أو مؤسسة أو دولة أو غير ذلك، أن يقوم بوضع بصمته الخاصة التي تناسبه وتناسب تطلعاته ويختار المعدلات التي تناسبه والمقاييس التي تناسبه وتناسب تطلعاته وأهدافه. فنجد على سبيل المثال شخصين لهما نفس الوزن الزائد، وأحدهما يطبق حمية معينة لأحد الأطباء والآخر يطبق حمية أخرى ولطبيب آخر، والاختيار الرئيسي يتم بمعرفة كل من الشخصين في البداية. ولكن القيمة الكبرى، هو أن يكون هناك قياس للأداء الحالي والمستهدف ووفق مقاييس موضوعية ومقارنة بقيمة مثالية وممارسة أفضل للوصول إليها مع المتابعة الفعالة والمستمرة للتقدم.
مجالات القياس المقارن
إن القياس المقارن يخدم العديد من المجالات لتحقيق التنمية والتطوير واللحاق بمستويات الجودة المستهدفة محليًا أو عالميًا، ومن بين تلك المجالات ما يلي:
• مراجعات دورية لموقع المؤسسة على الخريطة التنافسية من حيث الصناعة عمومًا وبالمقارنة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي.
• مراجعات دورية للمدخلات المتنوعة، وتناسبها من كافة الجوانب الإدارية والمالية والإنتاجية والتسويقية.
• مراجعات دورية للعمليات التشغيلية اللازمة للعمليات الإنتاجية والخدمية. وهذه المراجعات تتبع العمليات التفصيلية الدقيقة داخل الوظيفة الواحدة.
• مراجعات دورية للمجالات الإدارية والتنظيمية على المستويات الاستراتيجية والتكتيكية.
• مراجعات دورية للمنتجات من السلع والخدمات والأفكار والقيم التي تقدمها المؤسسة لجمهور المتعاملين معها، نحو تحقيق أعلى معدل لتلبية احتياجاتهم وإشباع رغباتهم بقدر يفوق توقعاتهم، ويكون الجمهور المستهدف من داخل وخارج المؤسسة وليس الزبائن والعملاء فقط، وإنما يشمل كل القطاعات التي تتعامل مع المؤسسة بما في ذلك منسوبوها.
مراحل القياس المقارن ...
يمر القياس المقارن بمجموعة من المراحل الرئيسية التي يتبعها عدد من الخطوات والعمليات التفصيلية الفرعية. ومن أهم تلك المراحل والخطوات ما يلي:
أولاً: تحديد مجالات التطبيق والقياس المقارن التي سيتم عليها عمليات قياس أولي بهدف التطوير.
ثانيًا: إنشاء فرق عمل رئيسية وفرعية لتولي مسئولية القياس المقارن بالمؤسسة والخبرات التي قد يحتاجون إليها من خارج المؤسسة بشكل مؤقت أو دائم.
ثالثًا: تجميع المعلومات الموسعة وتحديد النموذج القياسي والقيم المرجعية التي سيتم المقارنة بها. وتجهيز كافة المعلومات والبيانات والنماذج اللازمة.
رابعًا: التهيئة التنظيمية والإدارية والإجرائية اللازمة للبدء في أعمال القياس والمراجعات.
خامسًا: البدء في تنفيذ أعمال المراجعات والقياس المقارن بصورة دورية مستمرة مع التواصل الإداري اللازم للمتابعة الاستراتيجية أو الجزئية بحسب مستوى القياس المقارن الذي تم إقراره. مع المتابعة المستمرة والدائمة والرقابة المصاحبة واللاحقة لكافة أعمال القياس المقارن حتى لا تتحول إلى عمل روتيني نظري فقط.
 
 
عوامل نجاح القياس المقارن...
قد يظن البعض للوهلة الأولى أن القياس المقارن عمل قد يبدو عليه السهولة. أو قد يصور بعض المديرين أن القياس المقارن هو من قبيل ترف ثقافي للمديرين. غير أن المتخصص يوقن جيدًا أن القياس المقارن يحتاج إلى العديد من عوامل النجاح التي يتطلب ترسيخها في سبيل تنفيذ قياس مقارن ناجح وفعال. ومن بين أهم تلك العوامل اللازمة لنجاح القياس المقارن ما يلي:
• التحضير الفكري المكثف للفكر الإداري بالمؤسسة نحو الاطلاع على أحدث جوانب القياس المقارن المستهدف تطبيقه وأعلى مؤشراته المحلية والإقليمية والعالمية.
• تبني إدارة المؤسسة لعملية القياس المقارن بشكل كامل مع دعمها للمتخصصين القائمين بالقياس ومتطلبات أعمال القياس.
• إجراء التعديلات والتغييرات اللازمة بالهياكل والإجراءات التنظيمية لتسهيل مهام القياس المقارن والتطوير المستهدف نحو التنمية بالمؤسسة.
• إقرار الحوافز والمحفزات اللازمة لفرق العمل وكافة المتعاونين مع خطط القياس المقارن والتطوير المستمر نحو تحقيق الممارسات الأفضل، ويخطئ من يظن أن التطوير والتنمية لا يكلف الوقت والجهد والتكاليف التي يتم استردادها بشكل مضاعف مع نجاح خطط التطوير.
• الاختيار الدقيق قبل  الاستقرار على النموذج الذي سيتم اتباعه كقيمة مرجعية للقياس، حيث سيتبعه العديد من التبعات التي قد يصعب بعد ذلك تغيير مسارات هذا النموذج والتحول إلى نموذج آخر.
• الاستمرار في عمليات القياس والتحديث المستمر للقيم المرجعية، للوقوف على حجم القوة في الأداء ومدى التنمية والتطوير الحادث بالفعل.
ما هي أخطر أخطاء تطبيق القياس المقارن؟
شأنه كشأن أي عمل بشري عرضه للوقوع في أخطاء التطبيق، ومن بين أخطر أخطاء تطبيق القياس المقارن ما يلي:
• تطبيق القياس المقارن قبل تهيئة أجواء الرأي العام الداخلي بالمؤسسة لتحمل مسئوليات وتبعات القياس المقارن. بل إن القياس المقارن يتطلب التحفيز المستمر للرأي العام على الاستمرار والمضي قدمًا في التفاعل مع إجراءات القياس المقارن والمراجعات المستمرة التابعة له.
• تطبيق القياس المقارن قبل التغييرات التنظيمية الواجبة لضمان نجاح مهام القياس والمراجعات اللاحقة.
• تطبيق القياس المقارن قبل التنسيق المسبق والكامل مع الإدارة العليا بالمؤسسة، وخاصة لو تم القياس المقارن بشكل جزئي في بعض الوحدات التنظيمية بالمؤسسة.
• تطبيق القياس المقارن بدون وجود نظام معلومات قوي وفعال للبيانات المتفقة والناتجة عن أعمال القياس والمراجعات.
• وجود فجوة بين نتائج القياس المقارن وبين الاستفادة من تلك النتائج من خلال الوحدات الإدارية المختلفة أوالأفراد.
• الخطأ في اختيار النموذج المناسب لقيم الممارسة الأفضل التي سيتم السعي نحوها في خطة القياس المقارن، سواء لكونها ليست الأفضل أو لأنها ليست الأنسب، أو للأخطاء الواردة حول المعلومات عن تلك الممارسة.
القياس المقارن لن يعيد اختراع العجلة من جديد
القياس المقارن لن يعيد اختراع العجلة من جديد، قد يكون الجديد هو اللفظ والمصطلح العلمي وصياغاته المنهجية فقط، أما الفكرة والمضمون فهي مترسخة وقديمة قدم البشر على هذه الأرض، فالإنسان من طبيعته المقارنة مع الغير للسعي نحو الأفضل وتحصيل مغانم أكبر. والتطور في هذا العصر بكافة أنواع المؤسسات العالمية والحكومية والربحية والخيرية على أعلى وأسرع معدل عما سبق. كما أن الدفع نحو العولمة يسير بخطوات متسارعة وكبيرة لا يمكن لأي من المؤسسات تجاهلها. والمتفهم لعمق عملية القياس المقارن يتبين له أنه طريق للتنمية والتطوير الذي يربط التاريخ السابق بالأداء الحالي مع التطلعات المستقبلية بين كل المهتمين بالمجال على المستوى العالمي، ولا سبيل لأحادية الفكر في عالم أصبح يفكر جماعيًا ويتعاون فيه الجميع للوقوف على عوامل النجاح والتقدم.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: