الجمعة    18-08-2017م
غلاف العدد
العدد: 177 - ذو الحجة 1434هـ-اكتوبر2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

(دنغ شياو بينغ)
تاريخ النشر : 10-12-2013 م
استطاع ماو أن يحول الصين من إقطاعية راكدة إلى واحدة من أعظم اقتصاديات العالم الحديثة، أما خصومه فيقولون نعم لقد انتشل الاقتصاد الصيني لكن بكلفة عالية من الأشلاء والدماء. لقد استهوت أفكاره وأشعاره الثورية البعض، خصوصًا في عالمنا الثالث أو قل جلّهم فرأيناهم في معظم البلاد العربية يدغدغون مشاعر الشعوب ويعدونهم بالرفاهية والتقدم ومحاربة الإمبريالية، بل وصل دخنهم ودخلهم إلينا، فأصبحت قصائد التجديف والتشكيك مثل «الطلاسم» لإيليا أبو ماضي و«أين حقي» لبحر العلوم وغيرها هي تراتيلهم، ووأدت حركتهم العمالية الاحتجاجية ومطالبهم التي كانت مشروعة بسبب اضطهاد شركات النفط الغربية لهم لأنهم أبوا إلا أن يكونوا امتدادًا لدعوة الرفاق في موسكو وحمر بكين ونسوا قول الفاروق: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. كما هو متوقع بعد وفاة ماو بدأ الصراع على السلطة من أجل السيطرة على الصين. الجناح اليساري بقيادة العصابة الأربعة، الذين كانوا يريدون مواصلة سياسة التعبئة الجماهيرية الثورية،في المقابل كان الجناح اليميني يعارض هذه السياسات. بين المجموعتين استعاد اليمين بقيادة رئيسه هوا قوه فنغ الداعي إلى العودة إلى التخطيط المركزي على غرار النموذج السوفياتي، في حين أن الإصلاحيين اليمينيين بقيادة دنغ شياو بينغ، يريدون إصلاح الاقتصاد الصيني بالاعتماد على السياسات الموجهة نحو اقتصاد السوق وإلى التقليل من أهمية دور الأيديولوجية الماوية في تحديد السياسات الاقتصادية والسياسية. في نهاية المطاف فاز الإصلاحيون وسيطروا على الحكومة، وهزم دنغ شياو بينغ خصمه هوا قوه فنغ في صراعه على السلطة لكن هذه المرة بدون دماء.
كانت تركة ماو عظيمة، تاريخ ملطخ بالدماء حتى كتب مترجم سيرة ماو بالإنجليزية SidneyRittenbergفي مذكرته TheManWhoStayedbehindكان ماو قائداً عظيماً في التاريخ، كما أنه كان مجرمًا كبيرًا ليس لأنه لم يكن ينوي القتل، لكن في الواقع وهمه وخياله المتوحش أدى إلى مقتل عشرات الملايين. بل يذهب سكرتير ماو الخاص LiRuiإلى أبعد من ذلك، حيث يزعم أن ماو كان رافضًا للمعاناة والوفيات الناجمة عن سياساته حيث يقول: طريقة تفكير ماو وحكمه مخيفة ولا يقيم أي وزن لحياة الناس وموت الآخرين لا يعني له شيئًا. وقد يستهجن هذا الكلام! لكن التاريخ يقول إن التحولات الاجتماعية هي زلازل وكلفتها باهظة كما حدث لأوروبا بعد حرب الثلاثين عامًا 1618 إلى 1648 حيث خسرت أوروبا 40% سكانها، حتى إن ألمانيا كان عدد سكانها 20 مليون نسمة لتصبح بعد الحرب 13 مليون نسمة، حتى إنهم فرضوا التعدد بزوجتين وأجبروا القساوسة على الزواج ممن لم يرسموا لحل هذه المعضلة البيولوجية.
دنغ شياو بينغ قائد ومحنك سياسي ومصلح اقتصادي قاد الصين خلال زعامته إلى اقتصاد السوق، ومنذ تربعه على قيادة البلاد من 1978 إلى 1992 يعتبر لب الجيل الثاني بعد ماو، حيث درس وعمل في فرنسا في عشرينيات القرن العشرين، وانضم للحزب عام 1923 وشارك فيما يسمى LongMarchكما عمل مفوضًا للحزب في منطقة التبت والمناطق الجنوبية لتعزيز الشيوعية. يعتبر دنغ مساهمًا فعّالًا في إعادة بناء الاقتصاد بعد إخفاق القفزة العظمى إلى الأمام، كانت سياساته الاقتصادية على خلاف معتقدات رئيسه السياسية ونتيجة لذلك تم نفيه مرتين خلال الثورة الثقافية، إلا أنه استعاد الصدارة عام 1978 بإبعاد خليفة ماو. ورث دنغ دولة مشحونة بالويلات والمحن والبلايا الاجتماعية والمؤسسية نتيجة الثورة الثقافية الماوية والحركات السياسية العديدة ولذلك يعتبر مهندس النسخة الجديدة من الاشتراكية بخصائص صينية، قاد إصلاح الاقتصاد الصيني من توليف وتركيب نظريات عرفت «نظرية اقتصاد السوق الاشتراكي»، كما فتح الصين للاستثمار الأجنبي ومنافسة السوق العالمية.
المسألة ليست مصادفة بقدر ما هو تخطيط، حيث يرجع هذا النمو السريع في الاقتصاد والصناعة في الصين الشعبية إلى سياسات دنغ شياو بينغ، حيث كثّف في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي إرسال البعثات إلى البلاد الغربية لتعلم الهندسة والاقتصاد وطرق الإدارة الحديثة بغرض تطوير الاقتصاد، واعتمد على من يسمون تكنوقراط في حل مشاكل البلد وتنميته، فكان التكنوقرط خير نخبة يعتمد عليها في حل مشاكل الصناعة والتطوير العملي والانتقال من مجتمع زراعي بحت إلى مجتمع صناعي. منذ عام 1985 واللجنة المركزية هي أعلى هيئة في الحزب الشيوعي - الذي يضم 70 مليون عضو - يضم التكنوقراط من النواب.
وأصبحت المجموعة الحاكمة معظمها من التكنوقراط وساروا على هذا حتى يومنا هذا. فالمجموعة الحاكمة الآن في الصين من أكثر السياسيين على مستوى العالم نبوغًا في العلوم الهندسية والاقتصادية والإدارة، وتعليمهم كان بصفة رئيسية في العالم الغربي، ولا يزالون يرسلون بعثاتهم الطلابية إلى أفضل كليات الاقتصاد والعلوم والهندسة في الدول الغربية لاكتساب المعرفة وإدخالها إلى الصين الشعبية. واليوم طلاب الصين هم أكثر الدارسين الأجانب في الجامعات الغربية، وهم لم يذهبوا نزهة، واختيروا بعناية فائقة، إضافة لاختيار الجامعات والتخصصات كي يعودوا لقيادة بلدهم ليصبح كما خطط له من قبل دنغ وفريقه عام 1978 عندما وضع خطة الـ50 عامًا كي تصبح الصين الدولة العظمى الأولى عالميًا وذلك عام 2028 ويبدو أنهم حققوا الكثير والغالب أنهم سيصلون إلى مبتغاهم قبل المدة المحددة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: