الخميس    28-01-2021م
غلاف العدد
العدد: 152 - رمضان/شوال 1432هـ-سبتمبر
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

الدراسة التتبعية.. ترمومتر لقياس الطلب على خريجي مؤسسات التدريب المهني
تاريخ النشر : 17-09-2011 م
كان من خصائص المعلم الجيد في الماضي تتبعه لطلابه بعد التخرج، فكان يسأل عنهم ليعرف إلى أين آلوا من دراسة أو عمل اطمئنانا عليهم. ولعل ذلك التتبع من قبل المعلمين لا يزال من الخصائص سارية المفعول للمعلمين الجيدين في الوقت الراهن، ولو أن هذا قل كثيرًا عما مضى، نظرًا لاكتظاظ الطلاب في الفصول الدراسية وتضاؤل الحميمة بين المعلم وطلابه من جراء ذلك.
إلا أن هذه الخاصية للمعلم الجيد اليوم أخذت تصبح بشكل متزايد خاصية مؤسسية بعد أن كانت فردية، حيث صارت المؤسسات التعليمية والتدريبية، وخاصة مؤسسات التدريب المهني (من مراكز ومدراس ومعاهد وأكاديميات وكليات) في الدول المتقدمة تقوم بتتبع خريجيها، للتحقق من مدى جودة مخرجاتها من خلال معرفة مدى الإقبال على استيعابهم في سوق العمل، مما جعل هذا النشاط، أي القيام بالدراسة التتبعية، من أبرز خصائص جودة هذه المؤسسات.
فصار الجيد من هذه المؤسسات يتتبع خريجيه من خلال الدراسة التتبعية للخريجين GraduateFollwoupStudies، كما تسمى في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، أو مسح مآل الخريجين GraduateDestinationSurveyكما تسمى في أستراليا، حتى صارت هذه الدراسة من أكثر الأدوات شيوعًا في تتبع الخريجين في كثير من برامج التعليم أو التدريب.
بل إن هذه الدراسة صارت تكتسب أهمية خاصة كبيرة في مؤسسات التدريب المهني نظرًا لأن من خصائص هذه المؤسسات إعداد خريجين يفترض أن يكونوا قادرين على دخول سوق عمل مفتوحة وتنافسية ومتغيرة ومتطورة باستمرار، وخاصة في الدول المتقدمة، أو على الأقل مطلوبين فيها. ومن أدوات قياس هذه القدرة هذا النوع من الدراسة التي أخذ يصبح بمثابة ترمومتر لقياس الطلب على خريجي هذه المؤسسات في سوق العمل، مما دعا أعدادًا متزايدة من مؤسسات التدريب المهني ومؤسسات التعليم العالي مثل كليات الأربع سنوات والجامعات في الدول المتقدمة تبدأ في إجراء مثل هذه الدراسة بانتظام لتعرف مصير خريجيها وتسوق لنفسها بناء على ذلك.
فعلى سبيل المثال يتم إجراء هذه الدراسة بشكل منتظم - بنهاية كل فصل أو عام دراسي على خريجي برنامج تدريبي معين أو أكثر من برنامج أو على خريجي كل برامج التدريب في مؤسسات التدريب المهني ومؤسسات التعليم العالي في دول مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة. وقد يتم إجراؤها بنهاية مدة أطول قد تصل إلى ثلاث سنوات، وعادة ما يكون هذا في حالة إجرائهـــا على مستـــــوى النظـــام SystemLevel(أي السلطة التدريبية المسؤولة عن الإشراف على مجموعة من مؤسسات التدريب المهني في منطقة جغرافية محددة كمنطقة أو ولاية أو دولة), وبالطبع لا يتم إجراء مثل هذه الدراسة على كل طلاب تلك المؤسسات، وإنما على عينة ممثلة لهم تستخلص وفقا للطرق الإحصائية.
الدراسة التتبعية - من يقوم بها؟
إن الدراسة التتبعية للخريجين، هي في الواقع صورة من صور الدراسات التقويمية لهذه المؤسسات خلال ممارستها للوظيفية الرقابية للإدارة التي من بينها التقويم، حتى لو أخذت هذه الدراسة صورة تقويم ذاتي. ومع أن هذه الدراسة ليست معنية أساسًا بالمردودات التدريبية الداخلية لمؤسسة التدريب المهني، وإنما بالمردودات الخارجية لها ممثلة في مدى دخول خريجي هذه المؤسسة لسوق العمل، إلا أن هذه المردودات الخارجية يمكن أن يكون لها انعكاس قوي على المردودات الداخلية لهذه المؤسسة كما سيتضح لاحقًا.
وتقوم مؤسسة التدريب المهني بالدراسة التتبعية إما تطوعًا لتحقيق التميز الطوعي وإثبات كفاءة الأداء الإداري لها، أو استجابة لمتطلبات نظام إدارة التدريب المهني في البلد الذي توجد فيه المؤسسة. ولكن من ينبغي أن يقوم بهذه الدراسة في هذه المؤسسة؟ حقيقة تختلف مؤسسات التدريب المهني في تحديد المسؤول عن إجرائها تبعًا لحجمها وتعقد هيكلها الإداري وتوزيع المهام والاختصاصات والوظائف بها ومدى وفرة مواردها البشرية والمالية.
ففي بعض تلك المؤسسات تقوم بها الهيئة الإدارية ممثلة إما في مجلس الأمناء، أو مكتب المدير أو قسم العلاقات العامة والتسويق، وفي بعضها الآخر تقوم بها الهيئة الأكاديمية ممثلة إما في إدارة كل برنامج (أو تخصص أو قسم) تدريب مهني أو قسم الشؤون التدريبية أو قسم شؤون المتدربين أو قسم التوجيه والإرشاد المهني أو لجنة من المدربين. وقيام كل من أولئك بتلك الدراسة له إيجابياته وسلبياته التي تتوقف على وضع كل مؤسسة تدريب مهني على حدة. وقد تعهد مؤسسة التدريب المهني بإجراء الدراسة لطرف خارجي متخصص في إجراء مثل هذه الدراسة، مع مراعاة تلافي تلاقي المصالح ما بين الطرفين حتى لا يُقدح في نتائجها.
وبالإضافة لتحديد من يقوم بالدراسة، يتطلب القيام بها أيضا توفر بنية تحتية لذلك، مثل استيفاء معلومات دقيقة عن عناوين وأرقام الاتصال بالمتدربين وتحديثها بشكل متواصل وتحفيزهم للتواصل مع مؤسسة التدريب المهني بعد التخرج، هذا بالإضافة لضرورة توفر متخصص في البحث الميداني ليقوم بها.
وفي حالة عدم مثل هذا المتخصص ينبغي إعداد من سيقوم بهذه الدراسة سواء أكان مدربًا أو إداريًا من منسوبي مؤسسة التدريب المهني إعدادًا جيدًا من خلال تدريبه على طرق إجراء البحوث الميدانية وتحليل بياناتها وكتابة تقاريرها، وتقديم الحوافز المالية والمعنوية المناسبة له، حتى لا يتراخى في القيام بالدراسة باعتبارها عبئًا إضافيًا على ما يقوم به من عمل.
ومهما يكن من يقوم بهذه الدراسة في مؤسسة التدريب المهني فإن تلك الدراسة ينبغي أن تتميز بأنها دراسات منهجية ميدانية مبسطة تندرج فيما يعرف في مجال البحث العلمي الإداري التربوي بالدراسات الإجرائية (ActionStudies)، وهي دراسات تلتزم بالمنهجية العلمية ولكن بدون تعمق.
منهجية إجراء الدراسة التتبعية
ولكن كيف تجري الدراسة التتبعية للخريجين على أرض الواقع؟ قبل الإجابة لا بد في البداية من النظر إلى السعة الاستيعابية لبرامج مؤسسة التدريب المهني، فإن كانت صغيرة فإن من المفضل إجراء الدراسة على كل خريجيها إن إمكن، أما إذا كانت كبيرة، فإن من المناسب إجراء الدراسة باستخدام العينات المناسبة وفقًا للقواعد البحثية المنظمة لذلك، تحقيقًا لدقة الاستنتاجات.
والأداة الأساسية التي تعتمد عليها الدراسة التتبعية في جمع بياناتها هي الاستبيان. وينبغي أن يتم تصميمه بواسطة متخصص وفق قواعد تصميم الاستبيانات للبحوث الإجرائية والمتمثلة في الموضوعية والمصداقية والثبات، وكذلك ينبغي أن يراعى في تصميمه حسن الإخراج وبساطة اللغة وسهولة الصياغة وعدم تشعيب الأسئلة تلافيًا لإرباك المستجيب، وضمانا لسرعة استجابته، مع تحبيذ الدفع المقدم لأجرة بريد إعادة الاستبيان في حالة الاستبيانات البريدية. كما ينبغي أن يتم تحليل بيانات الاستبيان وفق العمليات الإحصائية المتعارف عليها في مثل هذه البحوث لتحقيق مزيد من الدقة في معالجة البيانات واستخلاص النتائج، وإيجاد الثقة في هذه النتائج.
ويتم توجيه هذا الاستبيان إلى الطلاب المتخرجين سواء بريديًا أو إيميليًا أو مناولة أو حتى هاتفيًا في غضون 3 - 6 أشهر من تخرجهم. ويطلب ممن يتم الاتصال به تعبئة مختلف حقول الاستبيان التي تغطي أمورًا عديدة من أبرزها ما يلي:
• تعليمات تعبئة الاستبيان.
• معلومات شخصية عن الخريج المستجيب.
• هل كان تدريبه في التخصص الذي تخرج منه محققة لتوقعاته؟
• إلى أي حد الخريج راض عن تدريبه في التخصص خصوصًا ومؤسسة التدريب المهني الذي درس فيها عمومًا؟
• هل واصل الخريج تدريبه أم دخل سوق العمل؟
• إذا كان قد واصل التدريب، فأين؟
• وإذا كان قد دخل سوق العمل ففي أي جهة؟
• ما المدينة التي تقع فيها تلك الجهة؟
• كم استغرق من وقت للحصول على العمل؟
• هل قدمت له مؤسسة التدريب المهني الذي تخرج منها أي خدمات ساعدت على حصوله على العمل؟
• هل حصل على العمل المتناسب مع تخصصه؟ أم في غيره؟
• هل المهارات التي اكتسبها في التخصص ثبتت ملاءمتها للعمل الذي حصل عليه؟
• هل العمل الذي حصل عليه مؤقت أم دائم؟
• هل العمل بدوام كامل أم جزئي؟
• هل العمل في القطاع الحكومي أم الخاص؟
• ما الأجر الذي يتقاضاه عن هذا العمل؟
• في حالة عدم التمكن من الحصول على عمل، هل السبب عدم حصوله أثناء دراسته على المهارات اللازمة في التخصص الذي تخرج منه؟
• إذا كان كذلك فما التعديلات المقترحة في التخصص الذي تخرج منه ليكون الخريج منه أكثر ملاءمة لسوق العمل؟
وبعد تجميع نسبة ما بين 60 - 70% من الاستجابات يتم البدء بالمعالجات الإحصائية للبيانات التي حصل عليها، ثم استخلاص النتائج منها. ولا يعني أنه في حالة الحصول على نسب استجابات أقل عدم البدء بمثل تلك المعالجات، ولكن الأفضل الحصول على نسب أعلى دائمًا، لتكون النتائج أكثر تمثيلاً لواقع الخريجين.
ويتم عادة عمل مقارنة لنتائج الدراسة مع نتائج دراسات السنوات السابقة، لتبين الاتجاهات العامة في الطلب على الخريجين وطبيعة الأعمال التي انخرطوا فيها، ليتم على أساس ذلك اتخاذ قرارات خاصة بالبرامج التدريبية التي تقدمها مؤسسات التدريب المهني، إما توسيعًا وإما تغييرًا وإما تطويرًا، بما يتفق مع تلك الاتجاهات.
 عصا موسى عليه السلام
وفي الختام لا بد من التأكيد بأن الدراسة التتبعية للخريجين رغم استخدامها أساسا كأداة للتعرف على المآل الدراسي أو الوظيفي لخريجي برامج التدريب المهني خلال عام أو أقل من تخرجهم والتأكد من مدى ملاءمة المهارات التي اكتسبوها لذلك المآل، إلا أن هذه الدراسة تعتبر في مؤسسات التدريب المهني رفيعة المستوى أداة لأمور أخرى، فهي تستخدم بها، كاستخدام سيدنا موسى عليه السلام لعصاه التي أوضح بأنه يهش بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى.
فهذه الدراسة بجانب فائدتها في التعرف على مصير الخريجين، تعد أداة مفيدة جدًا للتأكد من أمور أخرى عديدة تتعلق بأداء البرامج التدريبية في المؤسسة التدريبية، بما توفره من بيانات معلومات عديدة. من ذلك مدى ملاءمة البرامج التدريبية المقدمة لسوق العمل، وكذلك كأداة لتوفير البيانات لمدى ملاءمة محتويات تلك البرامج للدارسين بها، ومدى استجابتها لاحتياجات الجهات الموظفة.
كما يضاف لذلك فائدة تلك الدراسة كأداة قياس لمدى رضا كل من الخريجين عن البرامج التي درسوا فيها، ورضا أرباب العمل عن هؤلاء الخريجين، ليتم على ضوء ذلك اتخاذ قرارات مهمة لتطوير تلك البرامج لتستمر ملبية لاحتياجات طلابها واحتياجات أرباب العمل، موفرة لمؤسسات التدريب المهني استمرارية الحياة.
وكذلك تفيد نتائج الدراسة في تسويق البرامج التدريبية لمؤسسة التدريب المهني إذا ما كانت تلك النتائج إيجابية، أي توضح بأن أغلبية الخريجين قد توظفوا في مجالات تخصصهم بعد مدة زمنية معقولة من تخرجهم يفضل ألا تزيد عن ستة أشهر من التخرج.
وأيضًا يتم استخدام نتائج هذه الدراسة من قبل الجهات المسؤولة عن مؤسسات التدريب المهني لمواجهة أي متطلبات للمساءلة، حيث يقوم مسؤولو مؤسسات التدريب المهني بإطلاع واضعي القوانين، ومن ورائهم عموم الناس، على تلك النتائج ليعرفوا من خلالها كيف أن الضرائب التي يدفعونها في شكل مخصصات لهذه المؤسسات تسهم في تخريج خريجين مطلوبين لسوق العمل، وهذا بالطبع في حالة ارتفاع نسب طلب سوق العمل لهؤلاء الخريجين.
ولعل من أهم فوائد الدراسة التتبعية للخريجين، لا بل أخطرها، أن نتائج مثل هذه الدراسة قد تكون أساسا للتوسع في برامج تدريب معينة إذا ما أوضحت تلك النتائج وجود إقبال متزايد على خريجي تلك البرامج او تقليصها أو حتى إقفالها إذا ما لوحظ تناقص وانكماش الإقبال عليها مع مرور السنين بحيث تصير هذه البرامج غير مجدية لا للمؤسسة التدريبية ولا سوق العمل.
لذا يوصى بأن تقوم كل مؤسسة تدريب مهني تعتز بذاتها بمثل هذه الدراسة بشكل دوري، لكي تتعرف على أدائها ولكي تحسّن من مستوى خريجيها ومستوى برامجها وتتأكد من مدى ملاءمة برامجها لاحتياجات الدارسين بها ولمتطلبات سوق العمل. وقد يصبح إجراء مثل هذه الدراسة أمرًا إلزاميًا، فيما لو صارت مؤسسة التدريب المهني خاضعة لنظام للجودة والاعتماد يكون أحد متطلباته تحقيق نسب عالية من توظيف الخريجين مثبتة بدراسات تتبعية.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: