الجمعة    18-08-2017م
غلاف العدد
العدد: 155 - محرم 1433هـ/ديسمبر 2011م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

الإحباط عدو النجاح..
تاريخ النشر : 13-12-2011 م
رأيت صديقتي حزينة مهمومة على غير عادتها التي عودتني عليها من البشر والابتسام.. فبادرتها بالسؤال عن أحوالها عسى أن أعرف سبب حزنها بطريق غير مباشر، فلم تنطق بكلمة واحدة، أخذني القلق عليها.. أعدت السؤال بصيغة أخرى للاطمئنان عليها، فأجابتني بصوت منخفض: اطمئني..!
قلت: كيف أطمئن وأنت في هذه الحالة؟! هل أصابك مكروه؟ هل هناك مشكلات في عملك؟
قالت: نعم.. هناك مشكلات في العمل.
قلت: وما الجديد في ذلك؟! لا يخلو أي عمل من المشاكل..!
قالت بصوت ملؤه الإحباط: لا فائدة.
قلت: أشركيني في أمرك، عساني أفيدك برأي يكون سببًا في حل هذه المشكلات..!
قالت: أشعر بإحباط كبير في العمل، فأنا – كما تعرفين – مسؤولة عن إدارة التطوير في الشركة التي أعمل بها.. وكلما أسعى إلى تطوير فيه صالح الشركة، أصدم بالروتين، وبأصحاب المصالح في بقاء الحال على ما هو عليه..! وهذا أمر يتنافى مع جوهر عمل إدارتي، فكثير من المشروعات التطويرية التي تأخذ منّا الكثير من الجهد في البحث والدراسة، ثم إعداد الخطط وما تتطلبه من وقت طويل وجهد مضاعف، كل هذا يذهب أدراج الرياح عند اصطدامه بالروتين..!
قلت: وهذا الذي أصابك بهذه الحالة الخطيرة من الإحباط.
قالت: نعم. بل واليأس أيضًا.
قلت: هذا أمر خطير عليك وعلى عملك في المستقبل..!
 
واسمحي لي أن أوضح لك هذه الخطورة بعد أن أسرد لك هذه القصة المشهورة – وفي القصص كثير من العبر والدروس يستفيد منها كل ذي لُبّ – لشاب ياباني يدعى «تاكيو أوساهيرا» لم يستسلم لليأس والإحباط بعد أن خرجت بلده اليابان مدمرة تمامًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فلا رؤوس أموال، ولا موارد طبيعية، بل وتتعرض بشكل مستمر لمخاطر الزلازل، لم يستسلم «تاكيو أوساهيرا»، بل على العكس ملأه الخيال والطموح والأمل، وتملكه حلم صناعة محركات في بلده، تغنيهم عن المحركات المستوردة من أوروبا، فبدأ بإرادة صلبة، وعزيمة قوية رحلة البحث عن حقيقة صناعة هذه المحركات، بعد أن حدد أهدافه بوضوح لا لبس فيه، وعمل بجد واجتهاد، وواجه المشاكل والصعاب، وتحمـل المشاق، وكانت النتائج كما توقع وأنشد، وهذه سنة كونية، فالذي يحلم ويسعى بجد إلى تحقيق حلمه، آخذًا بكل ما يتاح أمامه من أسباب، يصل في النهاية إلى تحقيق حلمه..!
والآن دعينا نتعرف أكثر على قصة هذا الشاب – وهي قصة مشهورة تناقلتها كتب عديدة - الذي حقق ذاته، وبنى لوطنه تاريخًا عظيمًا..       
فقد أرسلته حكومته إلى جامعة هامبورج بألمانيا في بعثة دراسية، يدرس من خلالها الأصول العلمية للميكانيكا.. فجاء هذا الابتعاث فرصة عظيمة ليحقق من خلالها حلمه الأول في تعلم بناء المحركات.. يقول  تاكيو أوساهيرا: «ذهبت إلى جامعة هامبورج بألمانيا وأنا أحمل حلمي الخاص الذي لا ينفك عني أبدًا, والذي خالج روحي وعقلي وسمعي وبصري وحسي, كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركًا صغيرًا».
ولمـا استقر به المقام في جامعته، لم يتوان لحظة في البحث والقراءة والاستفسار، فليس هناك وقت فراغ، فهو في سباق مع الزمن، يريد أن يعرف كل النظريات، ويتعلم كيف تطبق على أرض الواقع في الورش والمصانع، يريد أن يجمع بين العلم النظري الأكاديمي والتطبيقات العملية.. ولم ينس حلمه في صناعة محرك بيده لحظة واحدة، وهذا الحلم خطف النوم من عينيه وأرقه طويلًا.. يقول  تاكيو أوساهيرا: «كم تمنيت أن أداعب هذا المحرك بيدي, كم أشتاق إلى لمسه وتعرف مفرداته وأجزائه, كم تمنيت لمسـه، وضمه، وقربه وشمه, كم تمنيت أن أعطر يدي بزيته, وأصبغ ثيابي بمخاليطه, كم تمنيت وصاله ومحاورته والتقرب إليه, لكنها ظلت أمنيات.. أمنيات حيه تلازمني وتراودني أيامًا و أيامًا».
ولتحقيق هذا الحلم قرر «تاكيو أوساهيرا» أن يشتري محركًا كي يتعرف على كل أجزائه، ويخوض تجربة فك المحرك وإعادة تركيبه وتشغيله مرة ثانية بنفسه - فقام بفك المحرك قطعة قطعة، مرقمًا كل قطعة برقم مسلسل، وما أن انتهت عمليـة الفك، قام بعملية إعادة التركيب، ثم حانت لحظة التشغيل، وهي اللحظة التي انتظرها كثيرًا، وبدأ يتساءل قبل أن يصل المحرك بالكهرباء: هل نجحت حقًا في إعادة تركيب المحرك؟ وإذا لم تنجح التجربة فماذا أفعل؟ وأخذت الهواجس والوساوس تلعب برأسه..! إلى أن حسم أمره.. وأوصل المحرك بالكهرباء.. فانطلق صوته مجلجلًا.. فطار «تاكيو أوساهيرا» فرحًا.. فقد نجحت التجربة، لم يضع مجهود أيام ثلاثة متواصلة هباء منثورًا، وما لبث أن أبلغ رئيس بعثته بنجاح تجربته الذي شاركه فرحته، فقرر أن يكافئه بهدية ثمينة..! فما هي يا ترى؟! إنها محرك به عطل..! طالبًا منه اكتشاف العطل وإصلاحه، وإعادة تشغيل المحرك..!
أخذت الأفكار برأس «تاكيو أوساهيرا».. إنها تجربة أشد وطئًا من التجربة الأولى، فهذا تحدٍ صعب..! ماذا أفعل؟! لم تتركه الإرادة القوية لهذه الأفكار السلبية الهدامة.. تحركت سريعًا، فأيقظت عقله، وألهبت شعور التحدي لديه.. فلم يتوان.. أخذ يفك المحرك بتركيز شديد.. وما هي إلا ساعات من العمل الشاق حتى اكتشف خلالها تهالك بعض القطع.. فاستخرجها وفحصها.. وقرر ألا يشتري غيرها.. بل سيصنع مثلها بيده.. ولما انتهى من صناعة مثيل القطع المتهالكة.. بدأت عملية إعادة التركيب.. وجاءت لحظة الاختبار.. وهاجمته الأفكار والوساوس.. فأجمع أمره وأوصل المحرك بالكهرباء.. وعلا صوت المحرك عازفًا أجمل الألحان.. وسرعان ما أبلغ «تاكيو أوساهيرا» رئيس بعثته بنجاح التجربة.. وبعد أن هنأه رئيس البعثة طلب منه أن يصنع قطع المحرك كلها بنفسه، ويبني محركًا من صنع يديه..!
وهذا تحدٍ ثالث أصعب من سابقيه.. وتساءل «تاكيو أوساهيرا»: كيف لي ذلك؟ فأنا لا أملك الوقت الكافي للجمع بين تحضير رسالة الدكتوراه وتصنيع أجزاء المحرك..! ماذا أفعل؟!
وكانت لحظة الحسم والاختيار بين الدرجة العلمية، وتحقيق الحلم العملي.. فكان الاختيار.. تحقيق الحلم العملي.. فترك الدكتوراه والتحق بمصانع الحديد، والنحاس والألمونيوم، ووقف وسط العمال والمهندسين يقول «تاكيو أوساهيرا»:
«وقفت صاغرًا إلى جانب عامل صهر المعادن.. كنت أطيع أوامره وكأنه سيد عظيم, كنت أخدمه حتى في وقت أكله, مع أنني من أسرة ساموراي.. والأسرة السامورائية هي من أشرف و أعرق الأسر في اليابان, لكنني كنت أخدم اليابان وفي سبيل اليابان يهون كل شيء..!».
وبعـد أن أتقن الكثير من الحرف اليدوية وأهمها صهر المعادن قرر أن يعود إلى اليابان..
وما لبث أن قيل له: إن الميكادو (إمبراطور اليابان) يريد أن يراك.
فكان رد «تاكيو أوساهيرا»: «لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنعًا متكاملًا للمحركات».
وبعد انقضاء فترة من الزمن.. يقول «تاكيو أوساهيرا»: حملت مع مساعدي عشرة محركات صنعت بأيد يابانية جزءًا جزءًا وقطعةً قطعة, حملناها إلى قصر الميكادو، وقبل دخوله علينا, أدرنا جميع المحركات العشرة..!
ابتسم الميكادو وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي صوت محركات يابانية خالصة..
هكذا ملكنا الموديل وهو سر قوة الغرب, نقلناه إلى اليابان, نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان, ونقلنا اليابان إلى الغرب بعد ذلك الحدث السعيد, ذهبت إلى البيت فنمت عشر ساعات كاملة.. وهي أول مرة أنام فيها عشر ساعات كاملة منذ خمسة عشر عامًا..!».
هذا الشاب لم يستسلم لحالة الإحباط التي فرضتها عليه الظروف التي تتعرض لها بلاده، وكانت النتيجة أن نجا بنفسه من الآثار السلبية المدمرة لليأس والإحباط، بل حول هذه الآثار السلبية إلى آثار إيجابية دافعة له نحو تغير حاله إلى حال أفضل، فسعى في الأرض، وترك بلده إلى بلد آخر تتوافر فيه أسباب التعلم المؤهل للنجاح، وهذا دليل لنا على أن التغيير من حال سيئ إلى حال حسن لن يكون إلا بالسعي الجاد للقضاء على الأسباب التي أدت إلى وجود الحال السيئ واستبداله، والأخذ بالأسباب الدافعة إلى وجود الحال الحسن. فكل إنسان معرض إلى المشاكل والعقبات، والحصيف هو من يتعامل مع هذه المشاكل وتلك العقبات ويضعها في حجمها الحقيقي دون أن تمتد إلى كيانه كله فتشلّ تفكيره، وتجعله عاجزًا عن الاستمرار في نواحي حياته الأخرى، فعلى سبيل المثال إن كانت هناك مشاكل عملية تواجهك في عملك وتعكر صفوك، فلا تجعل هذه المشاكل تمتد إلى حياتك الاجتماعية الأسرية، فلا تصحب هذه المشاكل معك إلى بيتك، فيجب عليك أن تتعامل مع كل حياة بما يناسبها فهناك فارق بين الحياة العملية والحياة الاجتماعية خارج العمل.
والحقيقة التي يلمسها المرء الذكي أن الإحباط ليس نقمة على طول الخط، بل هو نعمة في أحيان كثيرة، فالمرء الذكي هو الذي يستطيع أن يجعل حالة الإحباط دافعًا قويًا للتغـيير لا للتدمير، وعندما يتمكن حقًا ويصل إلى ما يصبو إليه من نجاح في تحقيق أهدافه، يستشعر وقتها أن حالة الإحباط – التي لم يستسلم لها - كانت السبب الرئيس الدافع إلى هذا النجاح، وعلى النقيض من ذلك نجد الفرد المستسلم لليأس والإحباط -الواقف عن المشكلة أو المصيبة التي أصابته - لا يحصد إلا الفشل والمرارة، ومن ثم عدم تحقيق أهدافه، وهذا جزاء ما جنته نفسه من أخطاء ومصائب، وأتبعت ذلك الاستسلام لليأس والإحباط.. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: }أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ{ سورة: آل عمران.. الآية: 165.  فالنفس البشرية هي المسؤولة عن عملية البناء أو الهدم داخل صاحبها، فهي صاحبة الأخذ بالدوافع الإيجابية فتبني صاحبها من الداخل، وهي في ذات الوقت صاحبة الاستسلام والركون للأفكار والهواجس الهدامة فتهدم صاحبها من الداخل أيضًا، وإن كان للتأثير الخارجي – سواء كان موجبًا أم سالبًا – دور في بناء أو هدم شخص ما فإن هذا الدور صغير أمام الدور الذي تقوم به نفس هذا الشخص في عملية البناء والهدم الداخلية. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ{ سورة: الرعد.. الآية: 11. 
وهناك عدة طرق للتعامل مع حالات الإحباط منها:
1- التركيز على الغايات والأهداف الكبرى: إذا أصابتك حالة من الإحباط جراء عقبات واجهتك في تحقيق هدف فرعي فلا تكرس كل طاقاتك وتشغل كل حواسك بالتفاعل مع هذه الحالة من الإحباط، وتصرفها عن الانشغال بتحقيق غاياتك وأهدافك الكبرى، فتحقيق هدف فرعي على حساب أهداف رئيسية هو من قبيل السفه وضياع المستقبل.
2- استخدام أسلوب العصف الذهني: إذا وقعت في خطأ عدم تقدير البعد الزمني كما ينبغي عند التخطيط لتحقيق هدف ما، وظهرت نتيجة هذا الخطأ عند التنفيذ واستعجال النتائج، بظهور المشكلات والعقبات التي سببت لك بدورها حالة الإحباط، ومن ثم الوقوف عن تحقيق الهدف.. فالجأ إلى أسلوب العصف الذهني الذي قد يوفر لك الكثير من الحلول لهذا الخطأ، التي لم ترها عند التخطيط، فالنظر إلى النتيجة عند التخطيط واستعجالها عند التنفيذ غالبًا ما يحجب عن المخطط رؤية أشياء جوهرية توفر عليه الكثير من الصعاب أثناء التنفيذ.
3- رسخ في نفسك: «الإحباط دافع للنجاح»: إن استمرارية الحياة تعني استمرارية التعرض لحالات من الإخفاق والفشل وحالات من النجاح والتقدم، وإذا نظرت إلى العقبات والإحباطات التي تواجهها أثناء مسيرك في الحياة العملية أو الاجتماعية كفرص ودوافع، وتجارب وخبرات اكتسبتها، فإنك ستواصل هذا المسير بنجاح وتميز، لأنك ستتغلب على العقبات والمشاكل، - بتوفيق من الله سبحانه – ثم بتصميمك الصائب، وإرادتك القوية على تحقيق النجاح، وعدم الوقوف عند الفشل في تجربة أو عمل ما.
4- رسخ في نفسك أن دوام الحال من المحال: فالحياة لا تستمر على وتيرة واحدة، واليوم كرب وضيق وغدًا فرج وسعة، والأمور كلها تجري بمقادير، فالله سبحانه خلق كل شيء بقدر، فلا مجال لجزع وإحباط ويأس، وركون وقعود، فلتستمر بالسعي والأخذ بالأسباب.. وصدق الله العظيم القائل في محكم آياته: }حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ{ سورة: يوسف.. الآية: 110.
5- لا تجهد عقلك ونفسك أكثر مما يحتملان: إن لبدنك ولنفسك عليك حقًا، فلابد أن تعطي لكل ذي حق حقه، فالعقل له طاقة على الاحتمال وكذلك النفس.. فإن أرهقتهم في البحث عن حل لمشكلة صغيرة – ضخمتها دون داعٍ -  لا تستحق بذل الوقت والجهد لحلها فإنك والحال هكذا تسبب ضغطًا نفسيًا كبيرًا يحول بينك وبين إدراك الحل. وقد يشغلك من ناحية أخرى عن حل مشكلة كبيرة فعلًا تحتاج إلى المزيد من جهد ووقتك فلا تجـده، فتسبب لنفسك ضغطًا نفسيًا أقوى قد يؤدي بك إلى اليأس والإحبـاط الذي قد يقعدك عن حل المشاكل صغيرها وكبيرها، ومن ثم الخسران والفشل.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: