الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 156 - صفر 1433هـ/يناير 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

أكبر مكافأة يمكن الحصول عليها من هذه الحياة
تاريخ النشر : 18-01-2012 م
قد لا يتمالك الإنسان نفسه من التأثر الشديد في بعض المواقف ومن ذلك ما يحصل عند قراءة قصة هيلين كيلر التي سطرت قصتها لنا سلمى مجدي في كتابها وراء كل عبقري قصة معاناة، فقد ولدت هيلين طفلة معافاة سليمة الحواس ولكن بعد ما أتمت عامًا ونصف عام أصابتها حمى شديدة حار الأطباء في نوعها إلى درجة أنهم لم يملكوا إلا دعاء الله لوالديها أن يلهمهم الصبر على فقدانها، غير أن إرادة الله كانت أن تعود لها الحياة بعد ما دخلت في نفق الموت القاسي، لقد شفيت هيلين غير أن تلك الحمى تركت جسمها الصغير وقد سلبته أهم حاستين لدى الإنسان وهما السمع والبصر، عاشت هيلين في سنواتها الأولى حياة عشوائية بهيمية لا تفقه من الحياة غير حاجاتها الفطرية، ولم تجد الصغيرة طريقة للتواصل مع الآخرين في عالمها الدامس الظلام إلا بعض الإيماءات والإشارات البدائية، حتى إذا ما فشلت في التعبير عن نفسها والحصول على رغباتها انتابتها نوبات غضب شديدة، وجنحت إلى البكاء والعويل وتحطيم كل ما يصادف طريقها، ولم تجد أسرتها وقد وجدوا أنفسهم أمام فتاة صعبة المراس أعيتهم الحيل في التعامل معها إلا أن يبحثوا عن معلمة تعاونهم في تربيتها وتضيء لها بعض ما أظلم من طريقها، ولم تكن هذه المعلمة إلا «آن سوليفان» المعلمة الرائعة التي أضاءت لها الدياجير المظلمة وفتحت لها الأبواب المغلقة، لم تكن هيلين تدرك أن اليوم الذي التقت فيه معلمتها لأول مرة وهي لم تبلغ السابعة بعد، سيكون أهم يوم في حياتها كما وصفته لاحقًا، ولم تكن «آن» الشابة الصغيرة ذات الواحد وعشرين ربيعًا تتصور أن حياتها سترتبط بحياة تلميذتها منذ ذلك اليوم حتى آخر يوم في حياتها، فمنذ ذلك اليوم بدأت المعلمة محاولاتها الدؤوب لتعليم هيلين، كان أول ما لفت نظر المعلمة هو عادات هيلين البدائية ومسلكها العدواني مع الجميع، فقررت المعلمة أن تعلمها قبل كل شيء الطاعة والنظام، ولم تمر فترة بسيطة حتى تحولت هلين الفتاة المرعبة إلى طفلة وديعة هادئة، وكانت تكتب بإصبعها أسماء الأشياء على كف هيلين وبهذه الطريقة حفظت هيلين هجاء العديد من الأسماء وإن لم تكن تدرك الصلة بين هذه الأشكال التي ترسمها والكلمات، أو تدرك الصلة بين الكلمة والفكرة التي تمثلها حتى أتت لحظة التنوير في حياة هيلين والتي سجلتها في كتابها الرائع «قصة حياتي» حيث تقول ذهبنا إلى البئر وكان هناك شخص يضخ الماء، ووضعت معلمتي يدي تحت المضخة، وبينما كان الماء البارد ينهمر على إحدى يدي كانت معلمتي تكتب بإصبعها على يدي الأخرى كلمة ماء في البداية ببطء ثم بعد ذلك بسرعة، وقفت ساكنة وكل تركيزي منصب على حركة أصابعها وفجأة شعرت بحالة وعي وضبابية لشيء كان منسيا، بالإثارة المصاحبة لفكرة عائدة، وهكذا تكشف أمامي غموض اللغة، وبعدها لم تعد هيلين إلى البيت إلا بعد أن سألت عن كل شيء مرت عليه.
مرت على المعلمة لحظات إحباط ويأس وملل، ولكن سرعان ما تحرق جذوة النار التي في داخلها هذه المشاعر السلبية، كانت في البداية تقول: لو كنت مؤهلة أكثر لهذه المهمة العظيمة، كل يوم أشعر بقصوري، عقلي مليء بالأفكار ولكني لا أعرف كيف أنظمها.. إلى أن قالت الآن أعرف ماذا يجب علي أن أفعل ، وأعرف أني أعرف فعندما تواجهني المصاعب لا أنزعج ولا يصيبني اليأس بل أعرف كيف أتصدى لها، وتقول كم هو عظيم أن تشعر بأنك ذو فائدة في هذا العالم، وأن وجودك مهم لشخص ما، إن اعتماد هيلين علي،  في كل شيء تقريبًا يجعلني قوية وسعيدة.
«هيلين كيلر» التي قالت: أن الحياة مغامرة جريئة أو لا شيء على الإطلاق، المؤلفة والأديبة والمحاضرة والناشطة الأمريكية التي قال عنها الأديب الأمريكي مارك توين «أهم شخصيتين في القرن العشرين على الإطلاق هما نابليون وهيلين كلير»، وهي تعتبر واحدة من رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والنطق والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها وتم تلقيبها بمعجزة الإنسانية لما قاومته من إعاقتها حيث إن مقاومة تلك الظروف كانت بمثابة معجزة، وقد ظلت هيلين وفية لذكرى معلمتها الرائعة بل إنها ألفت كتابا كاملا عن معلمتها أسمته «المعلمة» وتقول هيلين عن معلمتها: كم هي قريبة إلى نفسي (معلمتي) لدرجة أني نادرًا ما أفكر في نفسي بمعزل عنها، لا أدري فيما إذا كان استمتاعي بجمال الأشياء من حولي يعود في أغلبه إلى أمر فطري لدي أو بسبب تأثيرها علي، وأشعر أن وجودها لا يمكن فصله عن وجودي، أفضل ما عندي ينتمي إليها، ولا توجد في داخلي موهبة أو أمنية أو متعة إلا وقد أيقظتها بلمستها الحانية، رحلت المعلمة «آن» عام 1936، بعد أن صنعت للعالم تلك المعجزة «هيلين كيلر» وقبل أن تموت قالت: عرفت منذ سنوات أن أكبر مكافأة يمكن أن يحصل عليها المعلم هي أن يرى من قام بتعليمه وقد أضحى شخصية هامة ذات ثقل في هذا العالم، وأن يصل إلى علمه أن إنجازه كان مصدر إلهام للعديد من المعلمين.
إنها المكافأة الكبرى التي يمكن الخروج بها من هذه الحياة وقد زرعنا بذور العلم والإنجاز والطموح والعمل في نفوسنا وفي نفوس غيرنا ولو لم تثمر تلك البذور إلا بعد حين، فلربما كان لتعليمنا من التأثير والنتائج على الحاضرين أو السامعين لنا أكبر الأثر وأعمقه.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: