الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 157 - ربيع الأول 1433هـ/فبراير2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

السد المنيع الذي يقف عنده اليأس
تاريخ النشر : 06-02-2012 م
كنت جالسًا معه أواسيه، وهو يعيش أحوالاً صعبة فقد تعرض مؤخرًا لعدة نكسات بدأت من موت أخيه، وتعثره في مسيرته التعليمية والتجارية، قال لي حينها إن هذه الحياة لم تعد تعني لي شيئًا وودت لو أستطيع التخلص منها بأي شيء، أشعر بأنها سجن صغير لا يطاق ولا أدري كيف أستطيع أن أواصل حياتي فيها، واستمر في شكواه بهذا الكلام المختلط بكثير من المشاعر السلبية والدموع والإحباط وقد توشح محياه بالكآبة والشحوب، رجع تفكيري وأنا في هذه اللحظات القاتمة إلى لقاء سابق معه قبل عدة أشهر وقد كان في قمة النشاط والحيوية والانطلاقة، تذكرت كلامه معي حينما قال كم أنا سعيد ومتشوق لعمل المزيد في هذه الحياة ووددت لو يضاف إلى حياتي حياة ثانية لأني أرى الحياة تمنح فرصًا لا حدود لها إنها أملي والتي سيكون لي فيها شأن كبير.. كان ذلك انعكاسًا لما كان يعيشه من نجاح في تلك الفترة، عندها قلت في نفسي سبحان مقلب الأحوال من حال إلى حال وتبادر إلى تفكيري فضل الأوقات العصيبة علينا مع اعترافنا  جميعًا بأننا لا نفضلها وقد لا نطيق الصبر عليها وعلى شدائدها ومعضلتها إلا أن المتأمل في سجلات  التاريخ قد لا يجد أي أمر ذي قيمة أو نجاح وناجح صاحب عطاء وتميز قد وصل إلينا إلا وقد ولد من رحم المعاناة أو قد خرج من نفق المأساة ولك أيها القارئ الكريم أن تتأمل في ذلك ولو على مستوى علاقاتك الخاصة، إنه عندما ننجح في تحقيق حلم أو انتصار ما فإننا قد نعيش فترة من الزهو والنشوة ربما تجعلنا نحس بالكمال وربما أيضًا يراودنا شعور يوحي إلينا ببعض الغرور والاكتفاء وفي هذه الحالة نحتاج إلى وقت أطول لتحقيق نجاح آخر، وعلى العكس من ذلك فعندما نخرج من تجربة فاشلة فإننا قد نسعى إلى تعويض نقصنا وتدارك الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذه التجربة فنسعى لإيجاد الحلول للخروج من دائرة الفشل والاتجاه نحو الأفضل، معنى ذلك أن الفشل أو الخطأ في أحيان كثيرة يجلب لنا نفعًا وتحولاً في مسارنا لأننا نتعلم من أخطائنا أسرع مما نتعلمه من غيرها وبهذا فإن للفشل جانبًا مشرقًا إذا وظفناه في صالحنا ولم نركن إلى اليأس والقنوط فإن الفشل كما يقال وقود النجاح وحول هذا المعنى قال روبين شار (إننا نتعلم من الأوقات العصيبة أكثر مما نتعلمه من أوقات النجاح).
لقد تأملت في قصة سيدنا يوسف عليه السلام الذي أراد إخوته أن يقتلوه فلم يمت ثم أرادوا أن يمحوا أثره فارتفع شأنه، ثم بيع ليكون مملوكًا فأصبح ملكًا، ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه فازدادت، وبالنسبة لنا كمسلمين ينبغي ألا نقلق من تدابير البشر فإرادة الله تعالى فوق إرادة الجميع فيوسف عندما كان في السجن كان أحسن السجناء وذلك بشهادتهم }إنا نراك مِن المُحسنين{ لكن الله أخرجَهم قبله وظلّ هو رغم كل مميزاته بعدهم في السجن بضعَ سنين، انظر إلى تدابير الله في خلقه لقد خرج الأول ليُصبح خادمًا وخرج الثاني ليقتل ويوسف انتظر كثيرًا لكنه خرج أخيرًا ليصبح ملكًا على أعظم مملكة في ذلك الزمان وليلاقي والديه وليسعد وينطلق من جديد، ينبغي ألا ننكسر ونيأس فلربما كان الله يدخر لنا ما هو أفضل ولربما كان لنا مثل فأل يوسف عليه الصلاة والسلام فقط يجب ألا نتوقف عن الأمل والطموح لما هو أفضل ومن ثم العمل.
ومما نقل عن الأديب الروسي الكبير دستوفسكي (أن الحياة هي في داخلنا وليست فيما هو خارج عنا وسيكون قريبًا مني أناس سأكون بينهم ولن يهن قلبي أو تفشل عزيمتي أمام المصائب وهذا في اعتقادي هو الحياة) إلى أن قال (وعندما ألتفت إلى الماضي وأتذكر مقدار الوقت الذي ضاع عبثًا وكم منه ضاع في الأوهام والكسل والجهل بالعيش وكيف أنني لم أقدر الوقت حق قدره وكيف جنيت على قلبي وذهني، أحس بأن قلبي يسيل دمًا، أجل إن الحياة عطية وهي سعادة وكان من الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصرًا طويلاً من السعادة).
كم هي متقلبة هذه الحياة وكم تمر علينا فيها من متغيرات وأزمات تتقلب بنا ما بين النجاح والفشل، فكيف هو حالنا في كلتا الحالين. إن المفارقة والنجاح في موازنة هذه الأمور من وجهة نظري يكمنان في قدرتنا على استيعاب الصدمات التي تصيبنا باختلاف أحجامها وآثارها ومدى قدرتنا على البحث في طياتها عن كل ما يمكن أن نوظفه لصالحنا، أو بعبارة أخرى نجاحنا يكون بمدى قدرتنا على التمسك بجذوة الأمل المتقدة فينا إلى آخر لحظة من لحظات حياتنا رغم كل العواصف والزوابع والمؤثرات الخارجية التي تنتابنا لأن الحياة هي في داخلنا وليست فيما هو خارج عنا كما قال ذلك دستوفسكي في مقالته السابقة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: