الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 142 - نوفمبر 2010م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

سامسونق
تاريخ النشر : 20-12-2010 م
من بين التلال والجبال المرتفعة والبحار والشواطئ المتلألئة، وبعد عقود من احتلال الغرباء وتقسيمها إلى مناطق نفوذ تخرج المعجزة الكورية بعد سنوات التيه لتنتفض تحت ضغط المظاهرات الشعبية التّواقة للديمقراطية ونبذ الاستبداد لتحتل مركزا متقدما بين دول العالم تقنيًا وصناعيًا وعلميًا، حتى أضحت قبلة للباحثين عن العلم والتجارة واستكشاف المزيج والمكونات الأساسية التي دفعت البلد إلى مركز متقدم قد يدخلها في أكبر عشر دول اقتصادية قريبًا. علمًا أن عدد سكانها لا يتجاوز 50 مليونا. ماذا ومتى وكيف حدث هذا؟ تساؤلات مشروعة لمعرفة مكونات الخلطة الكورية السرية التي قادت البلاد لهذه الأوضاع المزدهرة. وفي ثنايا ومنعطفات إبحارنا في تاريخ نشأة شركة سامسونق ومزجها بتاريخ البلد تتكشف لنا بعض الإجابات على تلك التساؤلات.
مجموعة سامسونق تعتبر أكبر تكتل عالمي وتحتل المركز 25 بين الشركات الكبرى عالميا. تقع إدارة الشركة في بلدة سيوشيو سامسونق في كوريا الجنوبية، معظمها متحدة تحت علامة سامسونق، وتضم سامسونق للإلكترونيات أضخم شركة للإلكترونيات عالميًا، وشركة الصناعات الثقيلة وهي من أكبر الشركات المصنعة للسفن، بالإضافة إلى شركة سامسونق للهندسة والإنشاءات العالمية. وهذه المجالات هي لب عمل مجموعة سامسونق والمنعكس من اسمها حيث تعني كلمة سامسونق بالكورية الثلاث نجمات. كما أن سامسونق القائد في كثير من الصناعات المحلية، كالمال، الكيماويات، التجزئة والترفيه. تأثير الشركة في كوريا الجنوبية ضخم ومشاهد في حياة الناس اليومية حتى قال عليها البعض جمهورية سامسونق.
حاليًا يدير الشركة LeeSoo-binرئيس مجلس الإدارة. ولأجيال عديدة كانت الشركة تدار بواحد من أغنى العائلات والمنحدرة من LeeKun-Heeالابن الثالث للمؤسس LeeByung-Chull. كما تمتلك المجموعة جامعة SungKyyukwanالخاصة في كوريا الجنوبية ويوظف معظم الخريجين في المؤسسات الفرعية للشركة. ومعظم الشركات الرئيسية مثل شركة CJ، مجموعة هانسول، مجموعة Shinsegae، وصحيفة جونق-آنق اليومية كانت جزءا من مجموعة سامسونق ولا زالت تحت سيطرة أقارب لي كون هي، كما لم تعد من مؤسسات سامسونق الفرعية، كما أن هناك شركات متميزة أسسها بعض موظفي سامسونق السابقين وهذا يدل على عمق التأثير على اقتصاد كوريا الجنوبية لشركة سامسونق أو بالأصح جمهورية سامسونق وهذا قاد إلى دعاوى مستمرة حول ثبات الأسعار وممارسات الاحتكار. حسابات مجموعة سامسونق تعادل 20% من إجمالي صادرات كوريا الجنوبية مع دعم قوي من الحكومة الكورية، بالإضافة إلى قدرتها غير المحدودة في جمع الدعم المالي من البنوك الرئيسية.
تأسس تكتل سامسونق عام 1938 على يد LeeByung-Chullكشركة تجارية صغيرة تضم حوالي 40 موظفا في سيئول وازدهرت حتى غزو الشيوعيين عام 1950 حيث أجبر بالقوة على مغادرة سيئول إلى سيون وخلال الحرب انتعشت أعمال سامسونق حيث نمت أكثر من عشرين ضعفا. في 1953 بدأ لي في صناعة السكر ليصبح أول مصنع في كوريا بعد الحرب، كما تنوعت منتجاتها ثم بدا لـ «لي» أن يتجه للتصنيع، وفي بداية السبعينيات بدأت سامسونق للإلكترونيات لصناعة المذياع والتلفاز، كان نظام الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونق-هي خلال الستينيات والسبعينيات، وقد كان اهتمام بارك بالتصنيع وتركيزه على استراتيجية التنمية الاقتصادية على عدد من الصناعات المحلية مع حمايتها من المنافسة ومساندتها ماليًا وكان من ضمن تلك الشركات شركة سامسونق، وقد منع بارك شركات أجنبية عديدة من بيع الأجهزة الإلكترونية في كوريا من أجل حماية سامسونق في طفولتها من المنافسة ونظرا لافتقاد كوريا لخبراء في التكنولوجيا والتي جعلت الحكومة الكورية تسعى مع شركات خارجية لسد هذا العجز.
وقد كثفت سامسونق في الثمانينيات والتسعينيات من البحث والتنمية، وهذه الاستثمارات كانت محورية في دفع الشركة إلى الخطوط الأمامية في صناعة الإلكترونيات عالميًا، في الثمانينيات كانت سامسونق تصنع وتشحن وتبيع مجموعة واسعة من الأجهزة المنزلية والمنتجات الإلكترونية عبر العالم. وهكذا بدأت تتوسع حتى أصبح لديها 263000 موظف، و174.2 مليار دولار دخل سنوي. تنطلق سامسونق من فلسفة بسيطة وهي تكريس موهبتها وتقدمها التكنولوجي لخلق منتجات وخدمات عالية الجودة للإسهام في تحسين المجتمع عالميًا. وفي كل يوم تقدم المجموعة الجديد، كما تتبنى قيما قوية وسلوكا صارما في أعمالها. ببساطة تتعامل الشركة مع موظفيها من خلال منحهم الفرص لتحقيق ذواتهم. البراعة في سامسونق في تطوير أفضل المنتجات والخدمات في الأسواق. أما التغيير فدائم ومستمر والإبداع حاسم لحياة الشركة. النزاهة والعمل بشكل أخلاقي هو أس العمل، وكل عمل ونشاط يستضيء بالأخلاق لتأكيد العدل والاحترام وكامل الشفافية.
الحديث عن جمهورية سامسونق يستوجب الحديث عن كوريا الجنوبية. كوريا التي تعني الجبال المرتفعة والبحار المتلألئة عانت كثيرًا من احتلال الغرباء حتى آلت إلى دولتين منقسمتين تتنازعها أطراف كبرى وقوى عالمية. بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1948 تم تقسيمها إلى شمالية تابعة للمعسكر الشيوعي وجنوبية خاضعة للنفوذ الأمريكي الرأسمالي، وهكذا يتقاسم الظالمون الشعوب لاستعبادهم ونهب خيراتهم وهذا حدث للمسلمين بعد الحربين العالميتين وما تلاها من حروب مصطنعة تمزق الشعوب وتضرب بعضهم ببعض كالأحجار على رقعة الشطرنج في ظل زعماء ضعفاء ومستبدين. وقد توالت الانقلابات العسكرية على كوريا الجنوبية لعقود، إلا أن هناك بعض الممارسة الديمقراطية التي بدأت تتحسن مع كل انقلاب من أجل الحيلولة دون السيطرة الدكتاتورية وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ومنح مجلس النواب السلطة الإدارية بصورة حقيقية ليأتي انقلاب جديد يعيدها إلى المربع الأول. ومن خلال تعديل الدستور للمرة السابعة عام 1972، وللمرة الثامنة عام 1980 اتخذ نظام انتخاب الرئيس بشكل غير مباشر. وباستثناء هاتين الحالتين تمسك الكوريون بنظام الانتخاب المباشر وتم تعديل الدستور للمرة التاسعة عام 1987، حتى استقر الوضع في كوريا كنظام جمهوري يفصل بين السلطات التشريعية والإدارية والقضائية.
لأربعة عقود خلت، نما الاقتصاد الكوري بشكل مذهل حتى أطلق عليه «المعجزة الشرق آسيوية» وقفزت كوريا إلى المركز الثاني عشر كأكبر اقتصاد وشريك تجاري على مستوى العالم، وكان هذا النمو مدفوعا بمعدلات عالية من الادخار والاستثمار والتعليم المكثف والذي أدى إلى زيادة معدل الملتحقين بالجامعات حتى أصبح المعدل الكوري من أعلى المعدلات عالميا 82.1% عام 2005. وتنوعت الصناعات الرئيسية من سيارات، بتروكيماويات، إلكترونيات، بناء السفن، صناعة النسيج ومنتجات الصلب وارتفع الناتج القومي إلى 887.5 مليار دولار في عام 2006. وتحتل كوريا المركز الأول عالميا في إنتاج شاشات العرض الكريستالية السائلة، كما تحتل المركز الأول عالميا في صناعة السفن، وبلغت صادراتها من السيارات عام 2007، 2478138 سيارة. أما احتياط كوريا من النقد الأجنبي في عام 2007 فقد بلغ 262.22 مليار دولار.
ما الذي عزز من مكانة كوريا علميًا وتقنيًا وصناعيًا؟ إنه البحث العلمي والتطوير حيث تضاعفت الاستثمارات في مجال البحوث العلمية والتطوير 66 مرة لتصل إلى 28.62 مليار دولار في عام 2006، بعد أن كانت 420 مليون دولار في عام 1981. كما زاد عدد الباحثين ليصل إلى 256589 باحثا بعد أن كان عددهم 18500 في الثمانينيات!؟ وهذا رفع وتيرة البحث العلمي والرسائل العلمية وبراءات الاختراع حيث وصلت عام 2006، إلى 23286 رسالة وبحثًا لتحتل المركز الثالث عشر عالميًا. وقد صنف المعهد الدولي للإدارة في سويسرا كوريا في المرتبة السابعة في مجال التنافسية التقنية والعلمية بين 55 دولة.
في ظل هذه التحولات الدولية لا بد للعالم العربي أن يعيد النظر في العقد مع الغرب ويحاول فسخه ولكن في ظل الشرعية الدولية وفي إطار الأسرة الدولية وعن طريق مؤسسات الأمم المتحدة - خصوصًا رئيسها الكوري الجنوبي - وبعيدًا عن الأساليب العنترية والغوغائية، وعليه بمغازلة النمور والأسود الشرقية والتزين للخطاب الجديد من دول المشرق قد يكون صينيًا أو كوريًا أو يابانيًا أو هنديًا وربما يكون سرلنكيًا أو نيباليًا؟! إلا أن الأمة العربية بحاجة ماسة لمثل هذه التحالفات كي يسندها معنويًا ويدعمها ماليًا مع فتح الأسواق العربية للمنتجات الشرقية، وتوجيه أبنائنا لدراسة لغاتهم ونبذ الإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية. لا شك أنه قرار صعب لكن مصالح الأمة العليا تستوجب أن يسد الفراغ الذي سيتركه الغربيون للشرقيين كي تنهض الأمة وتسير في ركب الحضارة الشرقية بعد إخفاقها مع الحضارة الغربية. وهناك بديل أمريكا اللاتينية لكنه يؤجل وتعطى فرصة للشرقيين في الإسهام في نهضة أمتنا العربية. وكذلك تستبدل المطاعم والوجبات السريعة الغربية بالوجبات الكورية الشهيرة مثل «الكيمشي» و«البولغوغي». كما هي دعوة لرجال أعمالنا للبحث عن الفرنشايز لهذه الوجبات التقليدية لدعم الاقتصاد الوطني ومحاربة البطالة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: