الجمعة    20-10-2017م
غلاف العدد
العدد: 159 - جمادى الأولى 1433هـ / أبريل 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

هناك شيء بداخلنا يمكن أن نتفوق به على كل الظروف
تاريخ النشر : 01-04-2012 م
ولد الطفل في مدينة المرسي بتونس، وكان الأصغر بين إخوته، واتصف منذ صغره بالجدية، إذ كان يمضي أوقات فراغه في صناعة أي شيء يخطر بباله، لم يكن ميالًا للعب مع رفاقه، ولم يكن له رفاق كثر، عندما كان طفلًا كان يدرس في المرحلة الابتدائية, ولكنه لم يتمكن من التواؤم مع أستاذه والمدرسة عمومًا، وكثرت مخالفاته لأوامر أستاذه وإهمال دروسه, إذ كان المدرس يعاقبه بالضرب الشديد, ومع نهاية الفصل الدراسي لم يحصل علي أي نتيجة, كان متأخرًا في دراسته حتى ترك المدرسة ولم يتخط عمره الرابعة عشرة. لم يتابع دراسته بقدر متابعته لطريق الابتكارات والمواهب المتعددة. التصقت شهرته بشهرة موهبته وقدرته على الإبداع في مجال تصميم المجوهرات الذي يمكن وصف بدايته البسيطة بالأسطورة.
وقصته ابتدأت عند خروجه من المدرسة بالاتجاه نحو عالم غامض بعزيمة قوية، وأشرق الصباح وأشرق معه الطموح في نفسه، فانطلق يبحث عن محلات تفتح له ذراعيها حتى يعمل فيها أي شيء. وأخيرًا وبعد طول بحث تهلل وجهه ووجد فرصة عمل كعامل بسيط في أحد محلات تصميم المجوهرات. عمل مناسب على الأقل في ذلك السن تضمن أن يشاهد المصممين وهم منشغلون في عملهم، وهنا وبالتحديد ولدت في نفسه فكرة أن يكون مصممًا موهوبًا، كان يعمل بعزيمة ونشاط في تنظيف المحل والمساعدة وقضاء الحاجات، وكأنه صاحب المحل، ويمتد عمله يوميًا من الصباح حتى المساء، ورغم أنه كان يتلقى الضرب والإهانات، وكان يحاول أن يتذكر ذنبًا جناه فما وجد، وتمر الأيام قاسية ففكر ورسخت في عقيدته فكرة أنه إذا أراد ان يتعلم فلا بد له من التضحية، لذا كان يعلم أن حلمه يتطلب صبرًا عظيمًا وعدم اليأس, كان ينظر إلى التصاميم أمامه ويراها أمرًا مذهلاً وغامضًا، ووجد نفسه عاجزًا عن معرفة ذلك اللغز المحير، وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره قرر بشخصيته المستقلة السفر إلى فرنسا للتعلم، ثم رجع يحمل الفكرة في ذهنه. وبعدها التحق بالعمل مع أحد المصممين كمساعد له بحيث يتسنى له تطبيق فكرته، ثم كان أول تصاميمه لخاتم، وبالرغم من أنه لم يكن يرقى للمستوى المرجو لكنه قرر اعتباره تجربة أولية وواصل العمل..
مضت السنوات مسرعة وكبر الطفل وكبر حلمه، كانت أول انطلاقة له في هذا العالم هي تطبيق فكرته، وهي إحياء المجوهرات التقليدية التونسية التي فقدت بريقها في ذلك الوقت، وبدأ يرسم كل فكرة تصميم تخطر بباله، وينظر إلى أفكاره فلا يرى أنها رسم على ورق، بل يرى فيها حلمه وطموحه، لم تخلُ حياته المهنية من انتقادات المصممين والتجار، حيث أوحوا إليه أن نجاحه مستحيل. وكان يقاوم تلك الفكرة ويرفضها نهائيًا، ويعرف أن نجاحه الحقيقي يكمن في إيمانه بقدراته على النجاح، واستمر في التدرب على التصميم حتى أتقن مهنته، ومع ذلك قهر وبكل قوة وعزيمة وإصرار على النجاح مشاعر اليأس والظروف الصعبة التي عاش بها، وبدأ هذا الشاب بالإنتاج وتحويل أفكاره إلى واقع ملموس، وحقق أول حلمه وبداية شهرته من تصميم طقم يحمل شعاره الذي اختار له اسم (الخيالي)، وأعجب تجار السوق بهذه الموهبة الواعدة، ومنذ ذلك الوقت أثبت تفوقه وبدأت تكثر الطلبات على هذا التصميم الذي أثار ضجة كبيرة في السوق، وحقق النجاح المرجو ليعد أول تصميم حقيقي له، وعمل هذا الشاب على إنتاج هذا التصميم وأحسن صاحب المحل معاملته وأكرمه على هذه الفكرة الناجحة والتصميم الرائع، وظل على هذا الحال عشرين سنة من العمل المتواصل والإنتاج، خطرت ببال هذا الشاب الطموح أن يشارك في الاختبار السنوي في مركز الصناعات التقليدية، واجتهد حتى حصل على شهادة امتياز في هذه المهنة، ولم يكتفِ بهذه الشهادة فقط بل استطاع في تلك السنة أن يكون مستقلا وصاحب محل صغير، وركز على هدف واحد وهو تحقيق النجاح المنشود لتصاميمه، ثم استطاع أن يملك محلاً أكبر بكثير من سابقه، وجهزه بأحدث التجهيزات المستوردة مما سمح له بزيادة الإنتاج والتطوير، وخلق نجاح هذا الشاب الطموح الكثير من المنافسين، لكنهم لم يتمكنوا من النجاح في مواجهة المنافسة معه، وقد صنعت منه هذه التجربة مصممًا موهوبًا ومنافسًا قويًا ومبدعًا متألقًا يحمل لقب المبدع من خلال تصاميمه المتألقة، ويعد أشهر وأبدع مصمم مجوهرات بتونس، ومن أشهر المهرجانات التي تمت دعوته إليها وشارك فيها مهرجان دبي الدولي لرجال الأعمال.
كانت تلك القصة عن صحيفة البشائر المصرية والتي روتها الكاتبة والطبيبة د.شيماء الدويري عن والدها المثابر الطموح، بعدها تأملت في عدد الأمور التي تجنب البطل فعلها، وكانت سببًا بعد توفيق الله له في الوصول إلى النجاح المنشود. وقلت لنفسي يا الله كم هي الأمور التي نجبر أنفسنا ونجبر غيرنا على فعلها والتي قد لا نحبها بل قد تكون سبب تأخرنا، كل هذا بسبب الضغط المجتمعي أو الثقافة السائدة أو بسبب تربيتنا والتي قد لا تكون بالضرورة تربية صحيحة، كل هذا يتم على حساب الموهبة والإبداع والخيال والرغبة الحقيقية التي بداخلنا، فهل بحثنا بصدق عن ذلك الشيء الذي بداخلنا والذي نستطيع به أن نتغلب على كل الظروف التي من حولنا، وفي هذا المعنى يصدق ما قاله ستيف جوبز الذي صنع أسطورة أبل حيث قال: «إن أهم القرارات في حياتنا ليست تلك الأشياء التي فعلناها وإنما هي الأشياء التي قررنا ألا نفعلها» 
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: