الجمعة    20-10-2017م
غلاف العدد
العدد: 142 - نوفمبر 2010م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

ابن الخباز وصناعة العمل...
تاريخ النشر : 20-12-2010 م
أحد الخبازين، المجيدين الماهرين في صناعة الخبز، فبرغم من صغر مساحة مخبزه وتواضعه وكونه في مكان عادي، لا يعتبره الكثيرون موقعًا استراتيجيًا من الناحية التجارية استطاع هذا الخباز أن يستقطب الكثير من الزبائن الذين لا يرضون بغيره بديلًا، حدث أن دار بيني وبين ابن هذا الخباز بعض الحديث والذي كان ملخصه، أن هذا الشاب الصغير المقدم على الحياة والذي لا يزال في مقتبل العمر يدرس بالصف الأول المتوسط، كان هذا الشاب يعمل مساعدًا لأبيه وكذلك كان يعمل كمدير ومحاسب للمحل في أحوال كثيرة. كان هذا الشاب يدرس في الفترة الصباحية ثم يتفرغ لواجباته في منتصف النهار ثم يعود في آخر النهار ليساعد أباه في عمله، عبر لي عن عدم قلقه من المستقبل ومن مشكلة عدم إيجاد عمل وقال أنه لا يمكن للناس في أي مكان أو زمان أن يستغنوا عن الخبز أو يستبدلوا به غيره لذا فلا يمكن لهذا السوق أن يموت، ومن ضمن ما ذكر أنه يساعد أباه ويتعلم كل المهارات منه وسوف يصبح مثله عندما يكبر، وإلى جانب كل هذا فإنه مستمر في دراسته ولن ينقطع عنها تحت أي ظرف بل إنه يحقق فيها مستوى مرضيًا، قلت وما فائدة الدراسة وأنت قد حصلت على العمل فأجاب أن ذلك يعود لأهمية أن يتعلم الإنسان وأن ينمي عقله ومداركه، وقد أحتاج لهذه الشهادة كحل بديل في مستقبل الأيام، راقبت هذا الشاب الممتلئ حماسًا وتفاؤلًا وسعادة وكان يأتي إليه بعض زملائه في الصف الصباحي وينادون.. (كيف الخبز معك اليوم؟!) فيجيب وكله ابتسامة وتفاؤل: الخبز ممتاز وإذا أردتم أن أحضر شيئًا من الخبز في الغد فعلت، ثم يتبادلون الضحكات ويذهب كلٌ إلى سبيله، كان هذا الشاب الصغير يتصرف بمنتهى الثقة بالنفس وكأنه هو المالك الحقيقي للمخبز فيمنح التخفيض أحيانًا، ويقوم بالبيع بالآجل في أحيانٍ أخرى، وكان أبوه يراقبه ولا يقطع أو يغير أي كلمة قالها ابنه وبينهما اتفاق تام على إدارة أعمالهم.
إنها مهارة صناعة العمل تحت أي الظروف والأحوال ذلك الدرس الكبير الذي تعلمته من ابن الخباز ولم يمر علي قط في كل مراحل التعليم التي مررت بها، يشتكي الكثير من شبابنا من عدم توفر العمل في بلد استطاع أن يوفر ما يمكن أن يصل إلى  ثمانية أو تسعة ملايين فرصة عمل لغير مواطنيه فما بالك بابن البلد الذي لديه الصلاحيات الكبرى للاستفادة من المقدرات الكبيرة لبلده، نعم الدولة تتحمل جزءًا من مسؤولية إيجاد الأعمال لمواطنيها، ولكن دعونا نفكر بالموضوع بطريقة مختلفة... أليست مشكلة التعطل عن العمل هي مسؤولية العاطل نفسه قبل أن تكون مسؤولية غيره، إن ثقافة الاعتماد على الآخرين ورمي الكرة في ملعب الغير لم تجد ولن تجدي أبدًا، فالذي تحترق يده لا يحس بألم الحرق إلا هو نفسه، كما أنه لابد أن يكون هو المبادر الأول لإطفاء النار التي تأكل جسده ولا ينتظر من يطفئ النار نيابة عنه لأن كل لحظة انتظار فهي ضده وليست في صالحه، أملي في أن يقوم شبابنا بمبادرات جريئة وهامة لأنفسهم ولغيرهم وذلك ليصنعوا ويلونوا مستقبلهم الواعد المشرق بإذن الله تعالى.
إن أهم ما يمكن أن يفعله الإنسان لذاته أن يحدد هدفه وماذا يريد لحياته لأن الدنيا سوف تعطيك كل ما تطلبه منها، وبعد أن تحدد الهدف، ترسم خطة تنفيذية للوصول إلى هذا الهدف ولا تنس واقعك والمجتمع الذي تعيش فيه فلتكن أهدافك واقعيه وطموحة في نفس الوقت، وبعدها ومباشرة ابدأ بالعمل... أؤكد لك أنك ستصل حتما.
جدير بنا أن نزرع الثقة في النفوس وأن نعرف بالأسواق والمهارات المتعلقة بها فإن الأسواق لا تموت، وأن صنعة في اليد أمان من الفقر، وأن نعلمه كيف يصيد خيرًا من أن نطعمه سمكة، كما يجب أن يكون هذا التدريب في سن متقدمة كما فعل الخباز تمامًا مع ابنه، أملي في أن نُسهم جميعًا في قتل البطالة بسلاح العمل، أعتقد أنها مفارقة كبيرة وحلقتان مفترقتان، عندما نقول أن فلانا قد تعلم ولديه شهادة دبلوم أو بكالوريوس أو شهادة عليا (ماجستير أو دكتوراه) ولكنه عاطل!!!!، ما أبشعها من كلمة وما أقبحه من لفظ «عاطل»... لقد عطل روح العمل والتفاؤل والطموح... نعم إنه العمل ذلك الشيء الذي فقدناه وصار غيرنا من الوافدين يقدمه لنا حتى صنعنا بقصد منا أو بغير قصد مجتمعا معتمدا على غيره حتى في أبسط معاني حياته، ولم يكن ذلك ليكون إلا يوم غاب عنا مبدأ «فكان أحدهم يسقط سوطه وهو راكب دابته فلا يطلب من أحد أن يرفعه إليه بل ينزل هو ويحضره»، لقد صيرتنا هذه السلبية القاتلة في فهم معنى صناعة العمل وصرنا كما في المثل العربي كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ*** والماء فوق ظهورها محمول.
إنه العمل الذي لولاه لما أكلنا ولما شربنا ولما ضحكنا أو ترفهنا، لم يتحقق للناجحين ما تحقق إلا بالعمل وبالعمل فقط، نعم المعرفة مهمة ولكن ليس لها قيمة إن لم تترجم إلى عمل، أعتقد أن توماس هكسلي كان محقًا ومنطقيًا جدًا عندما قال أن أعظم غايات الحياة الدنيا ليست المعرفة... بل العمل.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك:
تعليقات القراء
1- ماجد العساف
الفرق بين الذي يريد والذي لا يريد ان هذا يريد وهذا لا يريد
أضف تعليقك:
الاسم:
الإيميل:
التعليق