الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 160 - جمادى الآخرة 1433هـ / مايو 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

حياة واحدة لا تكفيني
تاريخ النشر : 25-04-2012 م
قال الأصمعي كنت أمشي في البادية وبينما أنا كذلك إذ مررت بحجر مكتوب عليه:
أيا معشر العشاق بالله أخبروا
   إذ حل عشقٌ بالفتى كيف يصنعُ؟
فكتبت تحته:
 يداري هواه ويكتم سره
      ويخشع في كل الأمور ويخضع
 ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبًا تحته:
فكيف يداري والهوى قاتل الفتى
                وفي كل يوم قلبه يتقطع
 فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبرًا لكتمان سره
      فليس له شيء سوى الموت أنفع
 ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابًا ملقى تحت ذلك الحجر ميتًا وقد كتب قبل موته:
سمعنا وأطعنا ثم متنا فبلغوا            
    سلامي على من كان للوصل يمنعُ  
 فها أنا مطروح من الوجد ميتا
        لعل إلهي بالآخرة يجمعُ
فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله.
هكذا عاش ثم قضى ذلك الشاب حياته عاشقًا ولهانًا ولم يجرب حياة أخرى غير هذه الحياة، ومما حدثنا به التاريخ أن ابن المقفع الذي رافق الأزمات السياسية في زمن الدولتين الأموية والعباسية ودرس الفارسية وتعلّم العربية في كتب الأدباء واشترك في سوق المربد وهو من نقل من البهلوية إلى العربية الأدبيات المشهورة (كليلة ودمنة)، وله من الكتب المنقولة الأدب الكبير والأدب الصغير هذا الكاتب الإسلامي الفذ تفقعت أصابعه لكثرة كتابته وقيل لقِّب أبوه بالمقفّع لتشنّج أصابع يديه على أثر تنكيل الحجاج به بتهمة مدّ يده إلى أموال الدولة، وبرغم ذلك واصل كفاحه في الحياة إلى أن مات تحت كتبه وقد سُئل من أدّبك؟ فقال: نفسي إذا رأيت من غيري حسنًا آتيه، وإن رأيت قبيحًا أبَيْته، ومن الغريب أن ابن المقفع قتل وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين عند موته إلا أنه خلّف لنا من الآثار الكثيرة ما يشهد على سعة عقله وعبقريته لقد عاش عمرًا قصيرًا غير أنه عمرٌ مديدٌ فيه أكثر من حياة ما زلنا نغرف من معينها إلى هذا اليوم وأعتقد أن تأثير هذا الفذ سوف يستمر طويلًا وطويلًا جدًا. وفي مجال الطب نجد أن ابن سينا الذي كان من أعظم رجال الفكر في الإسلام ومن أشهر فلاسفة الشرق وأطبائه قرأ كتاب ما وراء الطبيعة لأرسطو فلم يفهم ما فيه فقرأه 40 مرة فحفظه ولم يفهم أيضًا ما فيه حتى وقع بيده دون قصد كتاب للفارابي اشتراه من دلال بسوق الوراقين بثلاثة دراهم فإذا بهذا الكتاب يشرح ما سطره أرسطو في كتابه ما وراء الطبيعة وبعدها فهم ما يقصد أرسطو حرفًا حرفًا. إن عمر ابن سينا كان قصيرًا في سنواته التي كانت في مجملها في الخمسينات من عمره غير أنه عمرٌ مديد لا يكاد ينتهي بما خلفه من المعرفة وخصوصًا الطبية منها والتي يعود إليها كثير من علوم الطب ومعارفه في عصرنا الحديث، وهذا العالم كسابقه لن ينقطع أثره لقرون وقرون لا يعلم بمنتهاها إلا الخالق سبحانه وتعالى.
كلٌ منا يريد أن يعيش حياة طويلة مديدة وفي قرارة نفسه يود أن تكون حياة لا نهاية لها كما أنه يتمنى أن يعيش هذه الحياة في أرغد عيش وأتم صحة إلى جانب حصوله على أفضل مكانة اجتماعية يمكن أن يصل إليها إنسان على وجه هذه الدنيا، ومع إدراكنا أن في عصرنا الحاضر نعيش في عالم محدود الموارد كثير المنافسة سريع التغير إلى درجة تجعل الكثير منا غارقًا في بحر من اللهثان والإرهاق الذي لا يكاد ينقطع ولا عجب في ذلك فهذه سنة الله في خلقه من بني آدم }وتحبون المال حبًا جمًا{، (لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين حب الدنيا وطول الأمل)، غير أن الناظر المتأمل في حياة البشر يجد أن مستوى الإنجاز في هذه الحياة غير مرتبط بمقدار العيش فيها أو الغنى أو المكانة الاجتماعية فكم من أناس عاشوا أعمارًا مديدة وهم أغنياء ووجهاء ولا تكاد تجد لهم حسًا أو أثرًا، بينما آخرون ممن عاشوا حياة أقصر وفي ظروف صعبة نجد لهم من الإنجازات العظيمة ما لا يكاد ينقطع أثره مع مر السنين والأعوام فأعمارهم تقدر بآلاف وآلاف السنين، ولنا مثل في ذلك بابن المقفع وابن سينا كما في الحديث السابق عنهما.
نؤمن جميعًا بأن الطبيعة البشرية ميالة إلى الراحة محبة لكل أمر سهل فلو أطلق كل إنسان العنان لنفسه لما كان هناك عاملون ومجتهدون ولأصبحت الحياة شبه مستحيلة لتعطل المصالح فيها بتعطل عمل العاملين، لذلك نجد الإنسان العامل المجتهد يضغط على نفسه كثيرًا حتى يحصل على ما فيه سعادته في حياته وفيما بعدها وكما قيل أنه لن يدرك الراحة من أثر الراحة، وما قصدته من كلامي هذا أن نعلم أن حياة واحدة لا تكفي ولكن عمرًا واحدًا يكفي فلا يكفي أن ندرس أو أن نعمل فقط، أعتقد أن المستمتع بحياته حقًَا لا يستطيع أن يستيقظ كل يوم ليرى حياته كما هي من غير أي زيادة أو تغيير، ماذا لو جربنا أن نعيش حياة المجتهد في دراسته والمخلص في عمله السعيد بعطائه الفخور بإنجازه الذي ينعم بحياة المتفائل ولذة الصبور، الذي لا يكل ولا يمل من العيش في عوالم لم يعشها وأن يصاحب أشخاصًا وعلماء وأكابر يفخر الإنسان بذكرهم على لسانه فكيف به أن يعيش معهم وهذا يمكن أن يأتي بالقراءة في سيرهم وإرثهم العلمي العظيم وهذا ما كان يرمي إليه محمود عباس العقاد بقوله: وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا وحياة واحدة لا تكفيني.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: