الجمعة    20-10-2017م
غلاف العدد
العدد: 161 - رجب 1433هـ / يونيه 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

ما من أحد يمكنه كتابة سيرته الذاتية مسبقًا
تاريخ النشر : 29-05-2012 م
(آه منكم أيها الناس الذين ترونني كئيبًا، حقودًا، فظ الخلق، إنكم تظلمونني بذلك، فأنتم لا تعرفون السلوك الغامض لسلوكي هذا، لقد ولدت حاد المزاج مرهف الإحساس لمسرات الحياة والمجتمع، ولكنني سرعان ما اضطررت إلى الانسحاب من الحياة العامة واللجوء إلى الوحدة، وعندما كنت أحاول أحيانًا التغلب على ذلك كنت أصد بقسوة ومع ذلك لم يكن بوسعي أن أقول للناس ارفعوا أصواتكم فأنا أصم، إنه منذ سنوات طفولتي الأولى تفتح قلبي وروحي على الرقة والطيبة، وكان هدفي دومًا الوصول إلى الكمال، وتحقيق الأمور العظيمة، ولكن كان ما أعانيه من ألم لا شفاء له والذي زاده استفحالا الأطباء العاجزون، يا لشدة ألمي عندما يسمع أحد بجانبي صوت ناي لا أستطيع أنا سماعه، أو يسمع آخر غناء أحد الرعاة بينما أنا لا أسمع شيئًا، كل هذا كاد يدفعني إلى اليأس، وإلى التفكير في أن أضع حدًا لحياتي البائسة إلا أن التفكير في جمال الحياة وفنونها هو ما كان يمنعني من ذلك)،  كان ذلك جزءًا مما كتبه عن نفسه بيتهوفن وهو من أبرز الشخصيات الألمانية ويعد من كبار المؤلفين الموسيقيين على مستوى العالم وتأتي الغرابة في قصة بيتهوفن أنه عمل ما عمل من إنجازات في مجال التأليف الموسيقي وهو أصم لا يسمع الموسيقى أصلا والذي كان كثير التأمل في الطبيعة وما فيها من جماليات، إضافة إلى اعتزاله للناس من حوله بسبب ما يعانيه منهم من مضايقات ومما يروى عنه أنه مكث عامين كاملين مختفيًا في الطبيعة مبتعدًا عن الناس خشية أن يقال عنه أنه أطرش! وهو من كتب نشيد السلام الذي دعا فيه إلى الوحدة والحب والإخاء بين البشر رغم ما عاناه على صعيده الشخصي من ألم ومن مقولاته الخالدة (الأيادي المرتعشة لا تصنع مجدًا).
إنها الحياة وتناقضتها واختلاف مساراتها وتنوع مشاربها وما تحتضنه من آلام وآمال في نفس اللحظة، ونحن قد نخطئ في  توقعنا لمساراتها في كثير من الأحيان، وقد نأخذ ما يقوله الناس عنا كمسلمات وحقائق وهذا ظلم وخطأ كبير في حق ذواتنا، كما أن تصورنا لحاضرنا على ضوء ماضينا لا يصح إذا أيقنا بهذه الحقائق فإن هذا يعني أنه لابد أن يكون لدينا أكبر قدر ممكن من المرونة التي نستطيع بها أن نغير مسارنا في هذه الحياة وأن نبحث عن البديل المناسب والذي يتناسب مع ما نملكه من قدرات وإمكانيات متاحة، هذا البديل الذي لن نعدمه دائمًا برغم ما يمر بنا من صعوبات وعوائق فلقد خلقت رؤوسنا دائرية الشكل لكي يتمكن تفكيرنا من تغيير اتجاهه كما قال ذلك فرانسيس بيكابيا، ومن أهم الأمور التي يجب أن نفهمها أنه يجب ألا نحكم على مستقبلنا من ماضينا فالأنبياء عليهم السلام رعوا الغنم ثم قادوا الأمم.
قد يكون كلُّ ما حولنا يدعونا إلى اليأس والسلبية والانكفاء نحو الذات، كلُّ الظروف المحيطةِ بنا تجعلنا عاجزين عن العمل وغير متفائلين بجدوى ما نقومُ به من أعمال فكيف يمكن أن يجتمع الإنجاز والتفاؤل في ظل العيش ضمن ضغوط شديدة تقعد عن الإنجاز وتحقيق الذات. إن معادلة الإنجاز مركّبة من عدد من العناصر يطلق عليها عناصر الإنجاز والفاعلية وهي تتمثل في الصحة النفسية الذاتية وإمكانية العمل وتوفُّر الإرادة كما لابد من الاستعداد للبذل والعطاء، وأخيرًا يجب أن يكون لدينا جانب من الشجاعة والحرية في اتخاذ القرار وتنفيذه، وفي مقابل هذا يجب أن نتخلص وبصورة ذاتية من العناصر المضادة لعناصر الإنجاز والفاعلية وهذه العناصر تتمثل في الحُزن على الماضي والقلق من الحاضر أو على المستقبل والعجز والكسل والجبن والبُخل والاستجابة للرغبات والنزوات والشهوات الٍعابرة التي تقيّد حرية القرار والفعل لدينا.
وبالرغم من عدم موافقتي لبتهوفن في كل آرائه وأطروحاته، غير أنه ومن وجهة نظري قد حقق نجاحًا باهرًا على المستوى العالمي وقد تمثل بعناصر الإنجاز والفاعلية في حياته برغم مما كان يسودها من اليأس والإحباط من كل الجوانب، إن أيًا منا لا يستطيع التنبؤ المطلق والقاطع بما يمكن أن يكون حاله في المستقل، لذا وجب علينا من هذا المنطلق أن نوظف طاقاتنا ونركزها تجاه أحد المجالات ولا غير مع إمكانية التغيير المرن إذا أيقنا بأنه ليس المجال المناسب لنا لنستطيع بذلك أن نصنع التغيير والزيادة على هذه الحياة بما هو خير فيها وأبقى لنا في آخرتنا، وحول هذا المعنى يقول إبراهيم هنشل: مسار الحياة لا يمكن توقعه فما من أحد منا يمكنه كتابة سيرته الذاتية مسبقًا.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: