الجمعة    18-08-2017م
غلاف العدد
العدد: 163 - رمضان 1433هـ / أغسطس 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

بالألم ومغالبته يصبح الإنسان شيئًا آخر
تاريخ النشر : 07-08-2012 م
ولد عام 1809 في قرية قريبة من مدينة باريس، كان في صغره طفلاً مبصرًا، وكان يذهب مع والده إلى عمله، كان أبوه يعمل في صناعة المصنوعات الجلدية، وفي أحد الأيام عندما كان في الثالثة من عمره يلعب بالمثقاب الذي يستخدمه والده في تثقيب الجلد أنفلت المثقاب من يده وأصاب إحدى عينيه ففقد البصر بها في الحال، ثم تطور الأمر وأصيبت عينه الأخرى بالتهاب حاد إلى أن فقد البصر كليًا، إن منظره وهو ما زال في ربيعه السابع أو الثامن وهو يتلمس بعصاه الطريق ليعرف إلى أين يذهب كان يشعر كل من حوله بالأسف والحزن عليه، وبالرغم مما أصابه فقد استمر في الذهاب إلى المدرسة العامة مع أقرانه المبصرين غير أنه لم يستطع الإكمال فيها بسبب عدم مقدرته على دفع المصروفات، فسافر إلى باريس حيث التحق بمدرسة داخلية مجانية للمكفوفين والتي أصبح فيما بعد مدرسًا فيها، وساهم في تطوير العمل بها ونقله إلى أفاق جديدة، لقد كان أول سؤال سأل عنه في مدرسة المكفوفين هو: كيف سوف أتعلم القراءة والكتابة لأقرأ وأكتب مثل ألآخرين؟ كانت الكتب في تلك الفترة تُكتب بأجهزة خاصة بحيث تكون نفس الحروف بالطريقة المبصرة ولكن بارزة على ألواح، فكانت الكتب بهذه الطريقة ثقيلة والقراءة بطيئة ومتعبة للكفيف.
وذات يوم وهو جالس في المطعم مع صديق له، كان صديقه يقرأ مقالا عن ضابط في الجيش الفرنسي تمكن من استعمال نظام للكتابة في الظلام أطلق عليه «الكتابة الليلية» ليرسل التعليمات العسكرية إلى الجيش الفرنسي وهو في حربه مع الألمان، وهذا النظام يتكون من اثنتي عشرة نقطة، ويمكن أن تتكون كل الكلمات بالتبادل، وقد استعمل الضابط النقاط والفواصل لكي يتمكن الشخص من تحسسها بأصابعه، شعر الكفيف بفرحة عارمة عندما سمع هذا الخبر، وشرع يتكلم بصوت عال وبحماسة شديدة وذلك أنه كان دومًا يفكر في اختراع طريقة أخرى للقراءة والكتابة حتى يتمكن من القراءة والكتابة بسهولة مثل المبصرين، بعدها قام بالتواصل مع هذا الضابط، وبعد ذلك قام بتطوير هذه الطريقة إلى أن أصبحت طريقة معتمدة وسهلة الاستعمال والتعلم، وتتكون من نقاط أقصاها ست نقاط، وقد استخدم مثقاب والده الذي تسبب في كف بصره في إبراز النقاط واستخدمه كوسيلة للكتابة.
كانت تلك القصة التي غيرت حياة المكفوفين للويس برايل مبتكر ومطور طريقة القراءة والكتابة «برايل» للمكفوفين، وقد قام بتعليم هذه الطريقة لثلاثة أو أربعة من طلابه، ولكن كان مدير المدرسة والمعلمون في زمنه ضد هذه الطريقة في الكتابة والقراءة، لكن لويس برايل نادى وحاول جاهدًا جعل هذه الطريقة لغة رسمية، إلى أن وصل إلى لويس برايل خبر اعتماد هذه الطريقة كلغة رسمية وهو على فراش الموت، والتي ما زالت حتى كتابة هذه السطور هي الطريقة المعتمدة عالميًا لتعليم المكفوفين القراءة والكتابة.
لنتأمل جميعًا الأعمال التي نقوم بها ونفعلها في يومنا وليلتنا، ولنتأمل أيضًا الحالة النفسية التي تسبق إقدامنا على أي عمل سنلحظ أن كل هذه التصرفات منبثقة من ألم نحاول أن نهرب منه أو متعة نحاول أن نجنيها، وهذا ما يعرف عند عدد من المعاصرين بقانون الألم والمتعة، هذا القانون يكشف حقيقة بشرية هامة للغاية وهي البحث عن مصادر المتعة والهرب من مصادر الألم، وبمعرفة ذلك فإننا سنحقق الكثير من الانتصارات والتفوق، إن ربط الألم بالعادة السيئة يساعدنا على التخلص منها، ويمكن أن نعزز ذلك بربط المتعة بالعادة الجيدة، إن كل سلوك وعادة يفعلها الناس حتى وإن كانت سيئة في ذاتها فإنها تسبب لهم نوعًا من المتعة، وهذا يؤكد لنا ضرورة ألا نتعجل في محاكمة الناس وإلصاق التهم بهم، بل يجب أن ندرك أن وراء هذا السلوك رغبة داخلية يجب أن نسعى إلى فهمها وفهم أسبابها ووضع البديل لها، فنحن متفقون أن السلوك قد يكون خطأ أو محرمًا أو سلبيًا على فكر الإنسان وحياته، لكن هذا لا يمنع أبدًا من أن نستخدم أفضل الأساليب لعلاج هذا السلوك وزرع البديل بطريقة مناسبة وهادئة، وذلك بربط الألم باستمرار بهذه المتعة، وربط المتعة واللذة بترك هذه العادة.
إن اللذة التي بناها لويس برايل في فكره وذلك بأن يسهم في جعل حياة المكفوفين أكثر سهولة وراحة، إضافة إلى مغالبته للألم الذي كان يعاني منه والمتمثل في عدم مقدرته على القراءة بصورة جيدة، ساهمت في جعل هذا الإنسان البسيط ذي القدرات المحدودة والإعاقة الدائمة شخصًا آخر يتذكره الجميع ويثنون على جهوده التي بذلها لتحسين حياة المكفوفين منذ ذلك الزمان الذي عاش فيه إلى الآن، وحول هذا المعنى كان للمفكر الطبيب مصطفى محمود مقالة ذكر فيها أنه بالألم ومغالبته والصبر عليه ومجاهدته تنمو الشخصية وتزداد الإرادة صلابة وإصرارًا، ويصبح الإنسان شيئًا آخر.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك:
تعليقات القراء
1- تميم
انت مبدع دوما جزاك الله خيراً
أضف تعليقك:
الاسم:
الإيميل:
التعليق