الجمعة    18-08-2017م
غلاف العدد
العدد: 164 - شوال1433هـ / سبتمبر 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

إِذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
تاريخ النشر : 27-08-2012 م

ونحن ما زلنا نرشف من آثار شهر رمضان المبارك يحلو الكلام عن أفذاذ من سلفنا الصالح كان لهم الأثر الكبير في تغيير واقع الحضارة الإسلامية والحفاظ على ما صح من المنقول والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعند الحديث حول هذا المجال فإن صاحب السبق واليد الطولى في ذلك الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الذي صنف صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى وقد استغرق في تأليف هذا الكتاب أكثر من ستة عشر عامًا ومن لطيف ما يُذكر حول قصة هذا المشروع الحضاري الضخم ما قاله البخاري رحمه الله تعالى أنه كان جالسًا مع شيخه إسحاق ابن راهويه فقال لو أن رجلاً جمع ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله في كتاب لكان حسنًا، يقول البخاري فوقع ذلك في نفسي ثم عزمت على ذلك حتى إني لم أكن أضيف الحديث إلى هذا الكتاب حتى أصلي ركعتين أستخير الله تعالى فيه، وكان يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفئ سراجه ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبًا من عشرين مرة، وقال فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت نحوًا من مائتي ألف حديث مسندة كان يحفظها كلها، وقد بعث أمير بخارى إليه أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع منك فقال لرسوله أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضر في مسجدي، ولم يشهد تاريخ الإسلام مثله في قوة الحفظ ودقة الرواية والصبر الشديد على البحث مع قلة الإمكانات ومن أكثر الناس تمسكًا بتخصصه في جمع ما صح عن رسول الله من أحاديث حتى أصبح منارة فيه وفاق كل أقرانه وأساتذته على السواء حتى قال عنه أحد أساتذته لم أر مثله كأنه لم يخلق إلا للحديث وقد بدأ في تخصصه منذ كان عمره عشر سنين وقام لتعليم الناس ورواية الحديث ولم يكن قد بلغ العشرين، ومن علو  همته أنه سافر إلى كل البلدان التي كان بها رجال يحدثون حتى أنه كتب الحديث من أكثر من ألف وثمانين رجلاً وقد أخرج كتابه من زهاء ست مئة ألف حديث، ومن عظيم حب الناس له وتعظيمهم لمكانه ما روي عن يوسف بن موسى المروروذي قوله كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديًا ينادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري فقاموا في طلبه وكنت معهم فرأينا رجلاً شابًا يصلي خلف الأسطوانة فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم فلما كان الغد اجتمع حوله قريب من كذا وكذا ألف.
ومن قوة حفظه ما حدث به أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ حين قال سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد هذا وإسناد هذا لمتن هذا ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس فاجتمع الناس وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته فقال لا أعرفه وسأله عن آخر فقال لا أعرفه وكذلك حتى فرغ من عشرته فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون هل فهم الرجل؟ ومن كان لا يدري حكم على البخاري بالعجز ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول والبخاري يقول لا أعرفه ثم الثالث إلى تمام العشرة وهو لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فكذا والثاني كذا والثالث كذا إلى العشرة فرد كل متن إلى إسناده وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ والتفوق والنبوغ الباهر.
كان رحمه الله ذا ذوق رفيع في حكمه على الناس فقد قال أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا وقد صدق رحمه الله فإن من نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم حرصه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر ونحو هذا، وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا لقد كان رحمه الله شديد الورع والتقى قليل الأكل لا ينام من الليل إلا أقله وكان مجدًا في تحصيل العلم والتأليف.
إن الكلام عن الإمام البخاري حديث ذو شجون فيه تجسيد واضح لصاحب الهمة العالية من وضع له هدفًا ساميًا في الحياة ثم انطلق وبكل جهده وقوته لتحقيق هذا الهدف ويصدق فيه ما قاله أبو الطيب المتنبي:
كُلَّ يَومٍ لَكَ اِحتِمالٌ جَديدُ          وَمَسيرٌ لِلمَجدِ فيهِ مُقامُ
وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِبارًا           تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
كُلُّ عَيشٍ ما لَم تُطَبهُ حِمامٌ        كُلُّ شَمسٍ ما لَم تَكُنها ظَلامُ

 

  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك:
تعليقات القراء
1-
كلام فوق الرائع
أضف تعليقك:
الاسم:
الإيميل:
التعليق