الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 166 - ذو الحجة 1433هـ / نوفمبر 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

هل للمناهج العلمية دور في تميزك؟
تاريخ النشر : 24-10-2012 م
ما من شك أن المناهج العلمية التي تقدم للطلاب هي عصارة أفكار العلماء، وقام بجمعها وإعدادها وتأليف بعضها نخبة من المربين والمتخصصين، فهي إذن جديرة بأن تبني ثقافة للطالب والطالبة، وليست مجرد جواز مرور من سنة تعليمية إلى سنة أخرى كما يعتقد البعض.
وبمناسبة بدء العام الدراسي فقد هنأت صديقتي الطالبة قائلة: هنيئًا لك العام الجديد، فيه تنهمي من العلم والثقافة؛ ما يمكنك من تطوير ذاتك، ويساعدك على التقدم خطوة نحو تحقيق أهدافك، وطموحاتك.
نظرت إلي في عجب.. وقالت: أي نهم تتحدثين عنه!!، فأنا أسعى في تحصيل هذه العلوم كي أنجح وأحصل على الشهادة؛ التي قد تكون سببًا قويًا في التحاقي بأية وظيفة أعمل من خلالها على توفير حياة كريمة لي في المستقبل.
واستطردت: فأنا -وغيري كثر - نهتم بالمواد الدراسية بالمذاكرة والحفظ، أثناء العام الدراسي ثم ننساها بمجرد الخروج من الاختبارات، فهي لا تمثل لنا شيئًا في واقعنا العملي، فالذي ندرسـه شيء والذي يطبق في الواقع العملي شيء آخر، لذلك لا نهتم بهذه المواد العلمية، ولا ننظر إليها على أنها ستفيدنا في المستقبل.
رجعت إلى نفسي قائلة: حقًا.. إن الناظر إلى حال الشباب والفتيات في مراحل التعليم المختلفة، يجد الفجوة ظاهرة وعميقة بشكل جليّ بين ما يتلقاه الشباب والفتاة من (الطلاب والطالبات) من علوم مختلفة ومتنوعة أثناء دراستهم، وبين ما تتركه هذه العلوم من ثقافة حقيقية داخلهم، فكثير من الطلاب يتلقى العلم المنهجي سواء في المدرسة أو الجامعة، ويجتهد في مذاكرته وحفظه، لغرض التفوق في الاختبارات، وبعد انقضاء الاختبارات لا تجد في جعبته شيئًا من هذا العلم الذي سهر الليالي، وواصل الليل بالنهار لتحصيله.
فقناعة الكثير من الشباب والفتيات أن المنهج العلمي ما هو إلا معلومات يجب حفظها، وتفريغها على ورقة الإجابة وفقط، وأن هذه العلوم ليست من باب الثقافة الشخصية، وهذه القناعة بكل تأكيد قناعة خاطئة، فالعلوم الإنسانية يجب الاستفادة منها، والبناء عليها، وهي من صميم الثقافة بلا ريب، حتى وإن كانت العلوم المنهجية غير مطابقة أو متماشية مع الواقع العملي بشكل كامل، فهي على الأقل من أهم العوامل المساعدة في تنمية قدرات ومهارات الشباب - الذهنية على الأقل - وصقلها بما يمكنهم من التعامل البناء مع واقعهم العملي.
وتساءلت عن:
ماهية الدور المتداخل والهام المنوط بكل من الشباب (والفتيات) - المسؤولين عن تثقيف أنفسهم وتطوير ذواتهم وتحقيق تميزهم العملي والعملي - والمسـؤولين عن ثقافة هؤلاء الشباب والفتيات؟
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لابد لنا من تعريف لمصطلح ومفهوم الثقافة في لغتنا العربية، ومفهوم الثقافة لدى الغرب، فضلًا عن بيان الإجابة عن تساؤل آخر: هل الثقافة مكتسبة أم موهوبة ؟
• الثقافة في اللغة العربية:
تعتبر الثقافة في اللغة العربية أساسًا للتمكن من العلوم والفنون والآداب وغيرها من مجلات الثقافة - سواء على المستوى الفردي أو على مستوى المجتمع (وهو المكوَّن من مجموع الأفراد) - فالثقافة هي تمييز وإدراك الفرد، والمجتمع لكافة المجلات وفي شتى مناحي الحياة سواء ما يتعلق بالعلوم على اختلاف وتنوع تخصصاتها، أو المعرفة بكافة أنواعها؛ فمن المتفق عليه أنه كلما زاد نشاط الفرد واتجاهه نحو المعرفة، واطلاعه على الثقافات المتنوعة، واكتسابه الخبرة في الحياة زاد معدل الوعي الثقافي لديه، وأصبح عنصرًا بناءً في المجتمع، الذي يزداد ثراؤه الثقافي والمعرفي بثراء أفراده المعرفي والثقافي.
• الثقافة في المفهوم الغربي:
تشير الثقافة وفقًا للمفهوم الغربي إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى.
• الثقافة يمكن اكتسابها:
كلنا يعلم أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا المال وإنما ورثوا العلم، والثقافة من الأشياء المكتسبة، التي يستطيع الإنسان اكتسابها بمزيد من التعلم والاطلاع، وقد تيسر في عالمنا اليوم تعليم الثقافة، ونقلها وتوارثها من جيل إلى آخر، ومن بلد إلى آخر بسبب العولمة، والسماوات المفتوحة، والتطور المذهل والهائل في وسائل وتكنولوجيا الاتصالات، وأهمها: القنوات الفضائية التلفازية، والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، فضلًا عن سهولة الحركة والتنقل بين بلدان العالم المختلفة التي ساعدت بشكل مباشر في تنمية السياحة الثقافية والفكرية.
• دور المسؤولين والمجتمع نحو تثقيف الشباب والفتيات:
لا يختلف اثنان على أن مخرجات النظام التعليمي في معظم البلاد العربية لم تعد تتفق مع سوق العمل، وما يتطلبه من كفاءات ومهارات تتناسب مع الوظائف المطروحة. وهذا يشكل عبئًا كبيرًا على كاهل المسؤولين عن تثقيف الشباب، ويتطلب منهم تطويرًا شاملًا ومرنًا للنظام التعليمي بما يتوافق مع متطلبات السوق، وفي خط متوازٍ ينبغي على الشركات ومراكز التدريب العمل على تدريب الشباب لإكسابهم المهارات والخبرات المطلوبة، وجعلهم مؤهلين لشغل الوظائف المختلفة، وقادرين على تحمل أعبائها.
ومما لا شك فيه أن التعليم والتدريب يجب أن يلعبا دورًا أساسيًا في مساعدة الشباب على اكتساب العديد من المهارات والخبرات اللازمة لسوق العمل، وذلك من خلال مناهج وبرامج التعليم والتدريب المتطابقة إلى حد كبير مع الواقع العملي، الـتي تقدمها مؤسسات التعليم المختلفة سواء منفصلة أو بالتعاون مع المنظمات والشركات العاملة داخل المجتمع، وتعمـل من خـلالها علـى تنمية وتطوير الشباب (الطلاب والطالبات) من حيث المهـارات المعرفية التي تتعلق بالعلوم والتطبيق، والقدرات الاستنباطية والبحثية، وكذلك القدرات الخاصة بتوظيف المعلومات في بيئة العمل، والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة وتحقيق أفضل استفادة من الموارد المتاحة، بالإضافة إلى أهمية المهارات التي تتعلق بقدرات الاتصال والتفكير النقدي، والابتكار والإبداع، وقدرات تقديم الحلول للمشكلات والعمل كفريق، والقدرة على اتخاذ القرارات، فضلًا عن قدرات أخرى تتعلق بمهارات التفاوض والقيادة، التي تساعد إلى تحسين فرص حصول الشباب على وظائف في سوق العمل، حيث يصبحون نتيجة لهذه المناهج والبرامج مؤهلين نظريًا ومدربين عمليًا على شغـل هذه الوظائف بكفاءة واقتدار.
• دور الشباب (والفتيات) نحو تثقيف أنفسهم:
1- الاهتمام بالثقافة النظرية والعملية:
 يجب أن يرسخ الشباب (والفتاة) في أنفسهم أن الثقافة النظرية التي يتلقونها في المدارس والجامعات والمتمثلة في مناهج علمية كرس لها التربيون والعلماء المتخصصون الكثير من الوقت والبحث العلمي والمنهجي، حتى توصلوا إلى مكوناتها، وتأكدوا من ملاءمتها للمراحل السنية المختلفة، فهذه المناهج لم تقرر على الطلاب عبثًا؛ وإنما قررت بعـد دراسات عميقة، وتجارب عديدة، مكنت القائمين عليها من التأكد من صلاحيتها كرافد من الـروافد الهامة التي تساعد الطلاب في تكوين ذواتهم الثقافية، وإن كان يشوب هذه المناهج بعض التقصير عند مقارنتها بالواقع العملي - كما ذكرنا آنفًا - فإنه من المؤكد أن الشاب (الطالب) من دونها لن يستطيع التعامل مع واقعه العملي في المستقبل بالشكل المطلوب، فهذه المناهج إن لم تتفق بالنسبة المأمولة مع الواقع العملي فهي بلا شك تساعد الطالب على كيفية التعامل الفعّال مع واقعه العملي.
 فيجب على الشبـاب (والفتيات) أن يستفيدوا أقصى استفادة ممكنة من الثقافة النظرية، ويجعلوها رافدًا ثقافيًا حقيقيًا لهم، يكوّنون من خلاله خلفيات ثقافية داخلية تمكنهم فعلًا من التعامل مع واقعهم العملي، وأن يرسخوا في أنفسهم أن هذه الثقافة تمكنهم أيضًا من الاطلاع على ثقافات متنوعة ومختلفة تساعدهم على توسيع مداركهم العقلية، وفي توسعة المدارك خير عظيم عند التعامل مع الواقع العملي، فالعقل وقت هذا التعامل يكون أكثر ثقافة، ونضجًا وإدراكًا لمتغيرات الواقع العملي، ومن ثم يحقق الشاب النجاح والتميز في مسيرة حياته العملية.
 ويقع على الشباب (والفتيات) أنفسهم دور أساسي في السعي لاكتساب المهارات المطلوبة، وتحديد ما يحتاجه من هذه المهارات من خلال التعليم والتدريب في داخل وخارج المؤسسات التعليمية النمطية، أو غير النظامية مثل التعليم عن طريق الإنترنت، والتعليم عن بعد، والجامعات المفتوحة.. وغيرها من وسائل التعليم والتدريب التي أصبحت متاحة ومتوافرة بطرق وأشكال عديدة.
 ويجب على الشباب (والفتيات) أن يختار - بناء على المعلومات المتوافرة بعد فحصها جيدًا - المهارات التي يحتاجها سوق العمل، والطريق الذي يجب أن يسلكوه لاكتساب المهارات والخبرات العملية التي تمكنهم من شغل الوظائف التي يحتاج إليها سوق العمل.
2 - الاهتمام بالثقافة العلمية:
الثقافة العلمية.. هي: معرفة الحقائق الأساسية حول نتائج العلوم.. وهي تعد جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العامة.
والثقافة العلمية هامة وضرورية في تنمية قدرات الشباب، كي يتمكنوا من استيعاب مفاهيم العلوم والتقنيات الحديثة - التي فرضها عصر العلم والتكنولوجيا - ولهذا يجب على الشباب أن يتخذوها سلوكًا عمليًا في حياتهم.
وفي عصرنا اليوم أصبح من الضروري نشر الثقافة العلمية على نطاق واسع وبهمة عالية في مجتمعنا العربي الذي يواجه تحديات هائلة، تتمثل في تخلفنا العلمي الكبير بالمقارنة مع المجتمعات والدول المتقدمة علميًا ومعرفيًا وتكنولوجيًا.
فالدول المتقدمة أدركت منذ عقود انقضت من الزمان أهمية الثقافة العلمية فعملت على ترسيخها في عقول أفراد مجتمعاتها وخاصة الشباب منهم، وقامت بإعداد وتجهيز العديد من برامج التربية العلمية، بما في ذلك برامج تطوير مناهج العلوم، بهدف نشر الثقافة العلمية، والعمل على محو الأمية العلمية بين أفرادها، وأبرز مثال على ذلك البرنامج الذي وضعه الاتحاد الأميركي لتقدم العلوم AmericanAssociationfortheAdvancementofScience(AAAS)، تحت عنوان: «برنامج 2061 الأميركي» ويهدف إلى رفع مستوى الثقافة العلمية بين الأميركيين وبناء مواطن أميركي جديد بحلول عام 2061، وأيضًا برنامج الوكالة اليابانية للعلوم والتقنية JapanScienceandTechnologyAgency، الذي يهدف إلى زيادة الوعي العلمي والتقني لدى عامة الناس، بخاصة الأطفال والشباب، والذي يتضمن مهرجانات علمية وإنشاء مكتبات فيديو علمية وبناء متاحف علمية.
ومما لا شك فيه أن وسائل الإعلام المتنوعة - صحف ومجلات، وإذاعة وتلفاز، وإنترنت... إلخ - تلعب دورًا متميزًا في نشر الثقافة العلمية وتنمية الخيال العلمي لدى أفراد المجتمع عامة والشباب خاصة، وذلك من خلال نشر، وإعداد وإنتاج مواد وبرامج علمية، وتعليمية وثقافية متميزة تهدف إلى تنمية مدارك الشباب، وتثير خيالهم، وتساعدهم على الابتكار والإبداع خاصة التلفاز - وما يوفره من قنوات أرضية وفضائية كثيرة - الذي يعد من أكثر وسائل الإعلام انتشارا وجذبا وتأثيرا على كل الفئات العمرية المكوّنة للمجتمع وخاصة الشباب. وقد أظهرت نتائج العديد من الدراسات التي أجريت في العديد من الدول المتقدمة أن الشباب يفضلون في المرتبة الأولى مشاهدة برامج الخيال العلمي، وأن الشباب الذين يفضلون البرامج والقراءات الخيالية تكون نتائج دراساتهم ممتازة.
وفي واقعنا العربي، فإن ما يقدم من برامج علمية وتعليمية وخيالية في وسائل الإعلام لا يرقى - بحال من الأحوال - إلى الدرجة المطلوبة لتنمية الثقافة العلمية والخيالية لدى الشباب أو غيرهم من أفراد المجتمعات العربية، فهذه البرامج لا تتناول إلا القليل من اتجاهات العلم الحديث وما يحتويه من تكنولوجيا متقدمة، خاصة في مجال الليزر، والذكاء الصناعي، والروبوتات، والعلاج الجيني، والشبكات العصبية... إلخ.
وإن كان الإعلام المرئي قد احتل مساحة أكبر في عصرنا اليوم على حساب الإعلام المقروء إلا أن الإعلام المقروء لا يزال يحتفظ بأهميته، ولا يزال المجتمع يلقي على عاتقه جزءًا كبيرًا من مهمة تثقيفه، ومن هنا يجب على الإعلام المقروء - الورقي والإلكتروني - من صحف ومجلات وإنترنت أن يفسح مساحات أكبر للثقافة العلمية وأعمال الخيال العلمي، بحيث تغطي المواضيع والأخبار والقضايا العلمية الحديثة بعد تنقيحها وتبسيطها، كي تساهم في نقل المعرفة والثقافة بين أفراد المجتمع، وتعمل على تنمية قدراتهم الخيالية، والإبداعية والابتكارية.
ومن جانب آخر يجب على المكتبات العامة، والمكتبات المدرسية والجامعية أن توفر الكتب العلميـة المتنوعة، وتجتهد في نشر ثقافة الاطلاع بين فئات المجتمع وخاصة الشباب، من خلال البرامج المساعدة على ارتياد المكتبات مثل: إقامة الندوات العلمية التي تتناول الكتب العلمية والخيالية بالشرح والتعليق، وإقامة اللقاءات الحوارية - بين العلماء المتخصصين والشباب - حول هذه الكتب بعد قراءتها وتلخيص ما جاء فيها من قبل الشباب، وغير ذلك من البرامج الجاذبة للشباب.
ودور الشباب (والفتيات) - في حال توافر الاهتمام الإعلامي والمكتبي والتعليمي المؤسسي وقيامهم جميعًا بتوفير المادة الثقافية العلمية - يجب ألا ينحصر في المشاهدة والاطلاع وفقط، بل يجب أن يتوجه نحو التفاعل مع هذه المشاهدة وذاك الاطلاع، بالعمل على تطبيق ما يستطيع تطبيقه وتنفيذه على أرض الواقع، فالقراءة والمشاهدة ليستا غاية في حد ذاتهما، وإنما وسيلة لتحقيق العلم والثقافة، ومن ثم إعمال التفكير ومحاولة الابتكار، والإبـداع والتميز، ومن هنا تتقدمون أيها الشباب نحو تطوير وتنمية ذواتكم، وتحقيق أهدافكم وآمالكم، وطموحاتكم، وأنتم بذلك تتشرفون بالمساهمة في رفعة شأن وطنكم، وتجعلونه في مصاف الأوطان المتقدمة، ويا له من شرف عظيم.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: