الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 166 - ذو الحجة 1433هـ / نوفمبر 2012م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

يمكن أن تصقل نفسك فتجعل منها تمثالاً حياً يجسد الحقيقة
تاريخ النشر : 24-10-2012 م
ولد وعاش في أثنينا، وكان يعاني من تهكم السفهاء على صورته، ووصفهم له بالرجل القبيح المنظر بسبب عينيه الجاحظتين وأنفه الأفطس ووجهه الممتلئ، ناهيك عن ثيابه المهملة والمكونة من معطف صوفي لا أزرار له ولا حزام، وفوق كل ذلك فإنه لا يمشي إلا حافي القدمين في الصيف كما في الشتاء، لقد عانى كثيرًا من زوجته المعروفة بمزاجها الحاد والتي لا تكف عن الثرثرة والتضجر من كل شيء، ولكي يسلم منها فقد كان يبادر للإفطار صباحًا ويخرج من البيت ولا يعود إليه إلا في المساء، لقد كان يقضي وقته في أحد معابد أثنيا، وفي الحديث للناس وسماع ما يقولون وفي الفكر والتأمل.
في البداية تعلم مهنة النحت والتي كانت مهنة أبيه من قبل، وذات يوم وهو منهمك وبكل جد في النحت لأحد هذه التماثيل دار في نفسه حديث غيّر مسار حياته، فقد قال لنفسه «إنك تفني ذاتك وتميت نفسك حتى تنقل صورة جامدة إلى حجر لا روح فيه، ولا تفكر في أن تصقل نفسك فتجعل منها تمثالاً حيًا يجسد الحقيقة والقيم والنور!».
وبعد ذلك الحديث وعلى الفور تخلى عن المطرقة والإزميل، وانصرف كليًا للبحث عن الحقيقة ولم يعد للنحت مرة أخرى، وعندما طلب منه أبوه أن يعود قال له: الآثار الفنية مهما بلغت من درجات الجمال تبقى صماء، أما البشر فينطقون، وإن لي حاجة للسماع والتعلم منهم، وبعدها كان لا يكف عن ترديد عبارة (أعرف نفسك)، ونظرًا لارتفاع تكاليف التعلم من الفلاسفة فقد قرر أن يبحث عن المعرفة بنفسه، وعندها لم يُسلّم بشيء، أو بعبارة أخرى كان لا يأخذ أي شيء على علته، بل كان يعمل فكره في كل شيء متأملاً وفاحصًا ومستقصيًا ومستقرئًا، وكانت قولته المعروفة عنه: إذا قال أحد إن شيئًا ما هو كذا فهل نُسلم بأنه كذلك أم نفحص ما يقوله هذا القائل؟!
كان لا يميل إلا للحوار ومناقشة الآخرين حول مختلف المواضيع داعيًا إياهم إلى التفكير والتأمل معه، ولإيمانه بما كان يدعو إليه من فكر فقد كان يبذله ويعلمه لغيره بالمجان وذلك بخلاف الفلاسفة الذين كانوا يتقاضون على فكرهم أكبر الأثمان.
تمت محاكمته فيما بعد بتهمة إفساد عقول الناس وتبني منهج العقلانية الذي يقتضي مناقشة كل فكرة قبل القبول النهائي بها، وهذه الأمور تتعارض مع كثير مما كان سائدًا آنذاك من معتقدات ومن الإيمان بالآلهة، وفي نهاية تلك المحاكمة حكم عليه بالإعدام عام 400 قبل الميلاد في أثينا، وكان بذلك أول رجل في التاريخ يقتل بسبب فكره.
ذلك هو الفيلسوف والمفكر والمعلم اليوناني سقراط الذي دفع حياته ثمنًا لما كان يؤمن به من فكر، ولم يتنازل عن معتقداته حتى آخر لحظة من حياته مما أدهش كل المرافقين له أيما إدهاش، ونتيجة لذلك فقد صنعت منه تلك الأحداث أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ، لقد صرف سقراط حياته تمامًا للبحث عن الحقيقة والخير، ولم يُعرف لسقراط أية مؤلفات، وقد عرفت معظم المعلومات عنه من تلاميذه، وكان من أشهرهم الفيلسوف أفلاطون وفيما بعد الفيلسوف أرسطو، إن حياة سقراط ونضاله وإيمانه الشديد بما كان يدعو إليه إضافة إلى مبدئه الذي أسس للعلم التطبيقي والمعرفي فيما بعد والذي يقتضي عدم القبول بأي قول كمسلمة نهائية قبل أن نتأكد بالدليل والبرهان بأن ذلك القول صحيح.
ولأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها فإن في نضال هذا الفيلسوف والمفكر الكبير الكثير من الحق والحكمة والخير, والذي يمكن لكل باحث عن الحكمة أن يستنير بتلك الأقوال النيرة من سقراط, ومن هذه الأقوال والتي تناقلها الناس عنه منذ أقدم العصور قوله: ليس العاطل من لا يؤدي عملاً فقط، إن العاطل من يؤدي عملاً وفي وسعه أن يؤدي عملاً أفضل منه، وقوله: احذر من عمل الشر كما تحذر من العذاب، وقوله: المرأة العظيمة هي التي تعلمنا كيف نحب عندما نريد أن نكره، وكيف نضحك عندما نريد أن نبكي، وكيف نبتسم عندما نتألم! وقوله: قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندامة عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها، وقوله: لا فضيلة بلا معرفة، وقوله: ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولاً، بل من الضروري أن يكون صادقًا، وقوله: لا راحة لمن تعجل الراحة بكسله، وقوله: الحياة من دون ابتلاء لا تستحق العيش، وقوله: من صح فكره أتاه الإلهام، ومن دام اجتهاده أتاه التوفيق، وقوله: راحة الحكماء في وجود الحق وراحة السفهاء في وجود الباطل، وقوله: ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض، وقوله: من لا يعرف الخير من الشر فألحقوه بالبهائم، ومن بخل على نفسه فهو على غيره أبخل، وقوله: الحكمة لله وحده، وعلى الإنسان أن يجتهد ليعرف، وفي استطاعته أن يكون محبًا للحكمة تواقًا إلى المعرفة، باحثًا عن الحقيقة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: