الجمعة    20-10-2017م
غلاف العدد
العدد: 169 - ربيع الأول 1434هـ / فبراير 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

طوكيو (2)
تاريخ النشر : 05-02-2013 م
يجتاحني شعور عارم منذ زيارتي لليابان والصين في نوفمبر الماضي لمعرفة أدق التفاصيل عن تلك الشعوب التي تنتسب إلى يافث بن نوح المنحدر منه أكثر شعوب الأرض المغول من الصينيين اليابانيين الكوريين الإندونيسيين الفلبينيين المالاويين وغيرهم من سكان شرق آسيا. قبل أيام احتفل الإمبراطور «أكيهيتو» بعيد ميلاده. وإمبراطور اليابان باليابانية: تينُّو‏، وتعني «سيادة السماء» ويشار إليه رسميا باسم ميكادو أي إمبراطور دولة اليابان، وقائد الدولة، وعميد العائلة الإمبراطورية اليابانية، كما أنه أعلى سلطة لديانة الشينتو، ويعتبر بحسب تعريف الدستور الياباني الحديث أعلى رمز للدولة ووحدة الشعب. ولا يتعدى دوره الدور الرمزي في نظام الملكية الدستورية المتبع في اليابان. تعتبر العائلة الإمبراطورية اليابانية هي أقدم ملكية وراثية مستمرة إلى اليوم في العالم. حيث يذكر كتاب نيهون شوكي الذي كتب حوالي القرن الثامن أن إمبراطورية اليابان تأسست في عام 660 قبل الميلاد على يد الإمبراطور جينمو.
يظن البعض أن اليابان دولة صناعية فحسب ولا يعرفون أن السياحة اليابانية تستقطب حوالي 9 ملايين سائح أجنبي سنويًا حيث تتخطى فيها سنغافورا وأيرلندا وتحتل المركز الثامن والعشرين عالميًا. ومدينة كيوتو القديمة وحدها تستقبل 30 مليون سائح سنويًا، وهناك 16 موقعا مسجلا في التراث العالمي، وهناك نصب قديمة ومعابد بوذية ومدن جذابة مثل طوكيو وغيرها مع مناظر خلابة وجبال كجبل فوجي. تربط مدنها شبكة حديثة من القطارات السريعة تجعل التنقل بينها متعة مع بناء شبكة متنوعة من الفنادق والمنتجعات عبر اليابان وخدمات فندقية رائعة. والسياحة المحلية تظل جزءا حيويا في الاقتصاد الياباني والثقافة اليابانية. شبكة القطارات الكثيفة والحديثة مع رحلات الطيران المحلية والفنادق والمنتجعات والمطاعم والخدمات المتميزة مع أنهم لا يتكلمون الإنجليزية التي جعلها القطاع الخاص سيفا مصلتا على رقاب أبنائنا كي يحولوا بينهم وبين توظيفهم في القطاعات السياحية والفندقية ويتنصلون من دفع رواتب مجزية كما هو في بلاد العالم التي تحترم شعوبها؟ !
لقد كانت اليابان بلدا مغلقا في وجه الأجنبي ويبدو أن هذا الانغلاق كان نتيجة محاولات اليسوعيين (Jesuitism) - أخطر وأخبث وأقوى حركة سرية مهيمنة على العالم - التسلل إلى اليابان عام 1549م على يد فرانسيس خافير أحد مؤسسي الجمعية، حيث نجح في إقناع لوردات يابانيين باعتناق الكاثوليكية الرومانية وكان أكثرهم ولاء قبيلة تشوشو Choshoالتي بدأت تضطهد البوذيين وتدمر معابدهم، إلى أن قدم البحار البروتستانتي الشهير ويليام آدمز ليكشف مشروع اليسوعيين ومكائدهم «للشوجون» Iyeyasuلقب الحاكم العسكري لليابان آنذاك. استمر موقف اليابان من اليسوعيين إلى أن أجلتهم ومن تبعهم من الإسبان والبرتغاليين عام 1587، وقال ايياسو في مرسومه عام 1614 «إن الغزو يأتي في أعقاب القسيس ومحكمة التفتيش في أعقاب الفتح، لقد كان مخطط اليسوعيين أن يستولوا على أحد المواني ليطلبوا المساعدة من جيش أجنبي ثم يفرضوا تغيير الحكومة ثم يقيموا الكاثوليكية دينا لليابان» لكن اليسوعيين لا يستسلمون دون سفك دم لذا كونوا عام 1637م جيشا قوامه 30 ألف كاثوليكي ياباني وأعلنوا الخروج على الإمبراطور واستولوا على قلعة على ساحل شيمابارا طمعًا في مساعدة الأسطول الإسباني، لكن قوات الشوجون يساندها الأسطول الهولندي البروتستانتي دمرت القلعة بمن فيها. نتج عن هذه الثورة طرد جميع الأجانب من اليابان إلى الأبد ولم يستثن من هذا الإعلان سوى الهولنديين. لكن هذا الحظر كسر عام 1853م على يد العميد البحري الأمريكي ماثيو بيري وسفنه السوداء التي أجبرت اليابان على الانفتاح على العالم الغربي. وفي عام 1867 اغتيل الإمبراطور كوميه الذي رفض دخول النصارى ثانية ونصب مكانه الإمبراطور المستبد ميجي الذي كانت سياسته مواتية لأطماع اليسوعيين إلى أن هلك عام 1912 م. وهكذا دخلت اليابان صراع مع الصين وكوريا وجاراتها الأخرى إلى أن تولى إمبراطور اليابان العميل هيروهيتو عام 1926 وكانت في عهده الحرب العالمية الثانية وكان هلاكه عام 1989م.
كما أن اليابان بلد زراعي حيث ينتج معظم الأرز الذي يستهلكه ولقلة امتلاكها للأراضي الزراعية حيث 70% مناطق جبلية فهي تستورد غذاءها وتحتل مرتبة منخفضة بين الدول الصناعية فيما يتعلق بالاكتفاء الذاتي من الغذاء، لكنها تتمتع بثروة سمكية هائلة، ونعذر اليابانيين لضيق أراضيهم لكن المحزن المبكي ما نراه في عالمنا العربي الشاسع والمتنوع مناخيًا والغني بثرواته الزراعية والحيوانية والسمكية والذي أصبح يستورد حتى البصل من أميركا. عندما تجوب المدن والبلدات اليابانية تتحسر على مدننا العربية وما وصلت إليه من بؤس وانحطاط، بالرغم أن اليابان بدأت في النهوض بعد كثير من الدول العربية وجاءتنا الأنظمة الثورية والمستبدة لتدمير كل قيمة مجتمعية فدمرت الثروة الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية ولم تبن صناعة ولا تجارة وتحولت مدنها التاريخية إلى مدن بئيسة تنهشها الأمراض والعشوائيات. وأصبحنا سوقا استهلاكية كبيرة لمنتجات الغرب والشرق ومستنزفا لمواردنا الخام.
إن سر تفوق اليابان هو غياب حكم الفرد وسيادة الشعب واستقلال مؤسساتها التشريعية والنيابية واحترامها لحقوق الإنسان الياباني واستفراغ الجهد في رفاهيته وإلا سيكون مصير الحكومة الطرد من خلال صناديق الانتخاب. كنت أمشي في شيبويا قلب طوكيو تحت وابل المطر حاملا مظلتي حين تلقيت رسالة من إدارة المدرسة في جدة التي فيها ابني أنس - رابع ابتدائي. «نظرًا لتقلبات الجو نأمل منكم الحضور لأخذ ابنكم» فكانت هذه الرسالة كافية للمقارنة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك:
تعليقات القراء
1- ماجد ال حامد
اجمل ما في الرسالة اخرها
أضف تعليقك:
الاسم:
الإيميل:
التعليق