السبت    16-12-2017م
غلاف العدد
العدد: 169 - ربيع الأول 1434هـ / فبراير 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

إنها الرغبة المشتعلة وقود النجاح
تاريخ النشر : 05-02-2013 م
رحل إلى البصرة ونشأ بها، وكانت لديه رغبة مشتعلة في تحصيل العلم، فبدأ يتعلم الحديث والفقه ولازم الفقهاء وأهل الحديث، ثم أخذ يتلقى العلم على أيدي العلماء، فتعلم على يد حماد بن سلمة مفتي البصرة وأحد علماء عصره، وكان هذا التلميذ من أشد الطلاب مواظبة على حضور دروس حماد، وذات مرة جلس حماد يلقي درسا من دروسه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء»، فظن التلميذ أن شيخه قد أخطأ في عبارة «ليس أبا الدرداء» فقام من مكانه ليصححها له، وقال: «ليس أبو الدرداء» فابتسم الشيخ في وجه الفتى الصغير وقال: لحنت وأخطأت، ليس هذا حيث ذهبت، فقال الفتى بأدب لأستاذه: «لا جرم سأطلب علما لا تلحنني فيه أبدًا» لقد كانت هذه المقولة من هذا الفتى هي الشرارة التي ولدت الرغبة المشتعلة وفجرت المواهب والطاقات من هذا الفتى الملهم.
وبعدها انكب هذا الفتى على تعلم العربية والنحو برغبة جامحة وتوق عظيم فلا يكاد يسمع بعالم في هذا الفن إلا وأخذ ما لديه من علم، وكان من أكبر أساتذته في هذا الفن الخليل بن أحمد الذي قال له ذات مرة عندما دخل عليه: مرحبا بزائر لا يمل، وكان الخليل يحب هذا الفتى كثيرًا ويفسح له في مجلسه.
هذا الفتى الطموح هو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر البصري، المعروف بسيبويه وهو فارسي الأصل أعجمي اللسان في العربية، وكان يُعرف بجمال خلقته ونضارة مطلعه وحسن رائحته ولهذا لقبته أمه بسيبويه أي رائحة التفاح. بقي سيبويه على حاله من الحرص على طلب علم النحو والعربية وتدوينها حتى أصبح معلما وله تلاميذ يلتفون حوله ويأخذون منه، ويكتبون عنه، وقد ألف كتابا عظيما في علم النحو لم يؤلف مثله قط سماه الكتاب وجمع فيه كل ما سمعه وتعلمه من أساتذته وقد اشتهر فيما بعد بكتاب سيبوبه، هذا الكتاب الذي يعده العلماء دستورا لعلم النحو وقانونا لقواعده، ومن شدة اعتزاز الفراء وهو عالم من أكبر علماء النحو بهذا الكتاب أن الناس وجدوا كتاب سيبويه تحت وسادته عند موته.
ومن عجيب ما يذكر عنه أن المرافقين له أصروا عليه أن يتزوج وهو منشغل منكب على كتبه وأبحاثه حتى فاجؤوه ذات يوم وقالوا له قم يا سيبويه اليوم عرسك، وبعد الزواج انقطع عن كتبه ومعارفه زمنا فجن جنونه ولم يتحمل البعد عن علمه الذي كسبه وبناه طيلة سنوات مضت فرجع إلى كتبه وكأن الحياة قد رجعت إليه، حتى أن زوجته أقدمت على حرق كتبه لما رأت من الشغف الكبير لسيبويه بها فما كان منه إلا أن طلقها ثم انكب على استرجاع وكتابة كل ما أُحرق وأتلف من كتبه، فكانت النتيجة أن خلف لنا علما لا يقدر بثمن، حيث أفاد سيبويه بعلمه الخالد الجميع وتسمت باسمه الميادين والمكتبات والمجمعات اللغويه والأدبية إلى درجة أنه يصعب أن نتخيل أنه يوجد مسلم أو عربي لا يعرف هذا الفذ العبقري، بل تعدى الأمر ذلك إلى درجة وصول علمه إلى عامة الناس، ومن لطيف ما يذكر في ذلك أن رجلاً قال لسماك بالبصرة : بكم هذه السمكة؟ قال بدرهمان فضحك الرجل مستهزئا من السماك لأنه رفع المجرور، فقال السماك ويحك أنت أحمق، لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان!
أصيب سيبويه بمرض قبل وفاته، وفي أثناء مرضه، وجده أخوه يومًا متعبًا قد اشتد عليه المرض، فبكى وتساقطت دموعه على وجه سيبويه فأحس به فأنشد يقول:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى   إذا عرف الداء الذي هو قاتله
وكان مما قاله عند موته:
يـؤمـل دنـيـا لـتـبـقـى لـــه                فـمات المـؤمـل قـبل الأمل
حثيثًا يروي أصول النخيل               فعاش الفسيل ومات الرجل
لقد كان لسيبويه رغبة جامحة لا يقف في وجهها تحد أو عقبه جعلته يتخطى عقبة لسانه الأعجمي حتى أصبح وما زال شيخ العربية وأستاذها الأشهر والذي يرجع إليه علماء النحو وجهابذة الكلام على اختلاف مشاربهم ومواردهم، فيا لله كم هي عجيبة وكم هي ثمينة تلك الدافعية الذاتية التي هي الرغبة الجامحة المشتعلة.
الرغبة المشتعلة هي وقود النجاح فهي تلك القوة التي تملأ الكيان والوجدان فتدفعنا إلى العمل والبذل والعطاء، وهي الدافع وراء كل نجاح في هذه الحياة، فعندما سأل شاب في العشرين من عمره الدكتور شولر: كيف أستطيع أن أكون كاتبًا ناجحًا ومرموقًا مثلك؟ فردَّ عليه قائلًا: عندما يكون عندك رغبة مشتعلة لكي تكون ما تريد، فسأل الشاب: وما هي الرغبة المشتعلة؟ فأجابه: عندما تفكر في الكتابة قبل النوم، وتفكر فيها أول شيء في الصباح، وتتكلم عنها في كل فرصة ممكنة، وعندما تصبح الكتابة الشيء المُسيطر تمامًا على أفكارك، وحينما تسير في دمك، هذه هي الرغبة المشتعلة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: