الجمعة    20-10-2017م
غلاف العدد
العدد: 170 - ربيع الآخر 1434هـ / مارس 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

انظر إلى الشرق (الصين)
تاريخ النشر : 10-03-2013 م
هناك نتيجة واحدة لرحلتي إلى الصين هي تحول بوصلتي الاستكشافية إلى الشرق عملاً بنصيحة مورين لانق في كتابه LooktotheEast  وجيمس فيلوز في كتابه   LookingattheSunوالتي تتحدث عن ظهور نظام اقتصادي وسياسي شرقي جديد. لا أدري إن كنت ملمًا بالصين أو فقط وجدت نفسي تجتاحها مشاعر عارمة في معرفة ما يحدث هناك، لكنني متيقن أن نهوض الحضارات سياسيًا واقتصاديًا ينتج عنه رفاه اجتماعي تجعل الأنظمة المتخلفة وشعوبها تسعى لمحاكاتها بشكل ما، كما هو حال الأمة العربية والإسلامية مع الحضارة الغربية المهيمنة فكريًا وماديًا والتي عبر عنها المفكر الغربي برتراند رسل: بقيادة الرجل الأبيض، وهو الذي تنبأ بنهاية الرجل الأبيض أي حضارته. وكذلك ما كتبه الفيلسوف والمفكر الالماني اوسوالد شبنجلر في كتابه «تدهور الحضارة الغربية» والذي درس الحضارات البائدة الرومانية والمجوسية واليونانية وغيرها من الحضارات المنهارة ووجد كثيرا من عوامل انهيارها متحققا في الحضارة الغربية. وعندما نظر شبنجلر في تلك الحضارات وجد عاملا أو قاسما مشتركا تنهار الحضارات به وقد تعجبون له حيث قال: إذا خرجت المرأة من البيت وخالطت الرجال ونافستهم فيما خلقوا له فهذا من عوامل الانهيار وهو متحقق الآن في الحضارة الغربية. وهو يكتب هذا الكلام في بداية الثلث الأول من القرن الماضي. والحقيقة التي لا جدال فيها أن الأمة التي تكون  المرأة فيها أمًا، هي أمة متجددة الشباب بطبيعة الحال. والأمم الشرقية كالهند والصين ممكن أن يتجدد شبابها في أي قرن، أما الضعف التكنولوجي فيمكن أن يأتي جيل جديد يستوعب التكنولوجيا. أما الأمة التي تخرج المرأة لتشارك الرجل فهي أمة هرمة، وستهرم بعد جيل أو جيلين وهذا ما لاحظته لدى اليابانيين حيث يشعرون بالخطر الماحق على وجودهم كأمة من تناقص نسب الإنجاب ولذلك يسعون جاهدين في تشجيع النساء على الإنجاب ويعتنون بالطفولة بشكل لافت.
المؤرخ الانجليزي الشهير أرنولد توينبي حينما ذكر هذه القضية استدل بحقيقة تاريخية وهي أن الغرب (أوروبا) كانت أكثرية في القرن التاسع عشر، وما تزال هي من أكثر بلاد العالم كثافة سكانية. وإذا استمرت الحياة الغربية بهذا النمط سوف نصبح أقلية: بل نص على ذلك فقال إن نسبة التوالد عند المسلمين ضعف ما عند الأوروبيين أو أكثر. ومعنى ذلك أن العالم الغربي سيصبح أقلية بالنسبة للعالم الإسلامي. وأضاف أرنولد توينبي نقطة أخرى: أن العالم الغربي ستفتك به الخمور والمخدرات في حين أن العالم الإسلامي لا يشرب الخمر. طبعًا هذا قبل سقوط  الخلافة ومجيء الأنظمة الثورية التي صنّعت وسوقت الخمور والمخدرات وجلبت الذل والعار للأمة وتخلفت في جميع ميادين الحياة. العالم الغربي يتفوق اليوم بأسباب واضحة من أجلاها التفوق العلمي الصناعي التكنولوجي. وقد أثبت الباحثون أن التقدم التكنولوجي ليس معجزة كما يزعم بعض الغربيين وليس حكرًا لدول الغربية وهذه قضية أصبحت تخيفهم والسنن الربانية لا يمكن لأحد أن يدفعها، وهناك دول شرقية تحقق تفوقا اقتصاديا وتكنولوجيا مبهرا بدأت بالتعلم ثم المشاركة والتنافس ثم في النهاية التفوق.
الإحصاءات السنوية للذين يدخلون في الهندوسية والبوذية – فضلاً  عن الإسلام -من الأوروبيين والأمريكيين تتضاعف وهذا تعبير صارخ عن إفلاس الحضارة الغربية عقائديًا وفكريًا. والشيء الثابت أن دخول الأفراد الغربيين في البوذية جعل مثقفي الصين يعيدون النظر في موقفهم من الحضارة الغربية، ويقولون ليس للغرب ميزة نحن لنا حضارتنا وأمجادنا، ولماذا نأخذ أفكار ماركس ولينين وأمثالهما وعندنا أفكار بوذا فيها ما يغني ويكفي لحياة مطمئنة. مع أن كلتا النظريتين باطل ووثنية جاهلية إلا أن هناك رجحانا للبوذية والهندوسية.
النزعة الإنسانية السائدة عالميا الآن مدينة كليًا للحضارة الإسلامية، ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي -اقتباس أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء وابن طفيل - بل يشمل العصر كله، حتى أن الإمبراطور فردريك الثاني وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة، كان يتكلم العربية وكان بلاطه عربي العلم واللسان، حتى أنه حينما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام وسمته الزنديق الأعظم!!
لا شك أن ثورة الصين من أعظم أحداث القرن العشرين وصعود الحزب الشيوعي وتربع ماو تسي تونق على حكم الصين الشعبية والتخلص من الفقر والبؤس كما رددها ماو لأتباعه من الفلاحين والطبقة الكادحة حتى صدقه ملايين الناس حول العالم حتى قال لي أستاذي: زرنا عدن كوفد طلابي من الجامعة – أثناء الحكم الشيوعي - وصادفنا عند وصولنا مسيرة لطلاب جامعة عدن تهتف «ماو ماو رب الكادحين». لقد نجح ماو ورفاقه في بناء دولة صناعية حديثة ومتقدمة وأخفق حواريوه من الرفاق العربان في الشام واليمن ومصر والعراق والمغرب. لقد تحولت الصين إلى مقصد يتقاطر عليه العالم من كل مكان للتجارة والسياحة والعلاج وأصبح المارد الاقتصادي يهدد كيانات اقتصادية كبرى واستطاع الحزب الشيوعي جر معظم الكيانات الاقتصادية من تكتلات ودول وشركات إلى الرضوخ لشروطه والمسابقة في كسب وده من خلال توطين جميع الأسرار التقنية وتدريب المواطن الصيني  لينعكس ذلك على كل مناحي الحياة. وفي ثنايا المقالات القادمة بإذن الله نستجلي ملامح ثاني اقتصاد عالمي والمتجه نحو الهيمنة بلا منافس خلال السنوات القادمة. وكيف لنا أن نستفيد من هذه التجربة المدهشة.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: