السبت    16-12-2017م
غلاف العدد
العدد: 171 - جمادى الأولى 1434هـ / أبريل 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

طريق السمو الإنساني
تاريخ النشر : 30-03-2013 م
ولد في مدينة بوسانا كروبا البوسنية لأسرة بوسنية عريقة، وتعّلم في مدارس مدينة سراييفو التي أمضى حياته فيها، وفيها أكمل تعليمه الثانوي والتحق بجامعتها، وحصل على الشهادة العليا في القانون، ثم نال شهادة الدكتوراه عام 1962، وعلى شهادة عليا في الاقتصاد عام 1964، يقرأ ويتحدث ويكتب باللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية، مع إلمام جيد بالعربية، عمل مستشارًا قانونيًا خلال 25 سنة، ثم اعتزل وتفرغ للبحث والكتابة، نشأ في وقت كانت فيه بلاده جزءًا من مملكة تحكمها أسرة ليبرالية، ولم يكن التعليم الإسلامي جزءًا من المناهج الدراسية، كان وهو لا يزال شابًا واعيًا بأهمية أن يتعرف على ثقافته الأصيلة، ويقرأ في ذلك قراءة مستفيضة، صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبتها المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، وحول هذه الظاهرة كان معظم طرحه الفلسفي، استفاد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة في الحرب المروعة التي تعرضت لها البوسنة والهرسك في أواخر القرن الماضي، درس العالم الغربي الرأسمالي عن كثب وكتب عن مشكلاته وإنجازاته، وإلى جانب ذلك فقد عاش وعاصر النظام الاشتراكي في بلاده والذي كان مطبقًا في ما كان يعرف بالاتحاد اليوغسلافي، وحول الصراع بين النظامين طرح أطروحات متعددة، ووصف هذا الأمر بقوله: إنا لسنا على حد نظامين مختلفين، واحد رأسمالي والآخر اشتراكي، وإنما نتحدث في واقع الأمر عن نموذج معرفي واحد كامن يأخذ شكلًا اشتراكيًا في حالة الاشتراكية، وشكلًا رأسماليًا في حالة الرأسمالية، وإن هناك رؤية واحدة وراء كل تلك المنظومات المتصارعة المتنازعة، فالتجربة الرأسمالية هنا لا تختلف على الإطلاق عن التجربة الاشتراكية، إذ يصدر النمطان عن مقولة الإنسان الطبيعي، أي الإنسان ذي الأصول المادية الطبيعية الكامنة وراء كل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي، تعرض لعدد من المشكلات ومنها السجن والتعذيب لسنوات طوال بسبب نضاله ودفاعه عن بلاده وشعبه، وقد صنعت كل هذه المحن والمصاعب التي مر بها شخصيته الصبورة والطموحة والمجاهدة، كما أثرت على كتاباته الكثيرة والتي كان للكلام عن الحرية النصيب الوافر منها، كان سياسيًا داهية، ومناضلاً عنيدًا، ومفكرًا عميقًا، وذا نظرة إسلامية بعيدة جعلته يتجاوز حدود البلقان، إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي، ليحمل هموم المسلمين حيث كانوا، ويعمل مع العاملين لنهوضهم وتخليصهم من أواصر التخلف التي أطمعت الغرب والشرق فيهم.
ذلك المناضل هو علي عزت بيجوفيتش أول رئيس جمهوري للبوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب الرهيبة في البوسنة، ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها «الإسلام بين الشرق والغرب» وأكثر من عشرة كتب أخرى إلى جانب الكثير من المقالات والكتابات، كما حصل على العديد من الجوائز التقديرية ومنها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، وجائزة الدفاع عن الديمقراطية الدولية من المركز الأمريكي للدفاع عن الديمقراطيات والحريات وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وجائزة شخصية العام للعالم الإسلامي، ومن لطيف ما يذكر عنه أنه وصل ذات مرة إلى صلاة الجمعة متأخرًا وكان قد اعتاد الصلاة في الصفّوف الأمامية ففتح له الناس الطريق إلى أن وصل الصف الأول فاستدار للمصلين بغضبٍ وقال مقولته الشهيرة «هكذا تصنعون طواغيتكم».
في كتابه هروبي إلى الحرية ذكر علي عزة بيجوفيتش أن الحد من الطعام والشراب أو الصيام عنها، لها في ذاتها معنى إنساني حقيقي وذلك إذا اخذت هذه الكلمات بأفضل معانيها، وطبعًا فإن هذا لا يمكن تحليله وإثباته، لأن الأمر يتعلق باقتناع شخصي خالص، فعندما كنت في السجن، وفي لحظات الاكتئاب التي تحيق بالإنسان في مثل هذه الأوضاع، كنت أشعر بأن حالتي تسوء عندما أتغذى جيدًا، الجوع كان يساعدني دائمًا وبشكل أفضل من أية هدية جيدة تأتيني من البيت.
إن طريق السمو الإنساني يبدأ من العناية بتغذية الروح والنفس بتلك القيم النبيلة والمعاني الحميدة والعيش والنضال لأجل هدف سام يخدم المجتمع أو الآخرين والتقليل من رغبات الجسد الأرضية إلى أقل حد ممكن، وصدقت المقولة التي مفادها أن من عاش لنفسه فقط عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لنفسه ولغيره عاش كبيرًا ومات كبيرًا، أقول ذلك والواقع يسير بخلاف هذا السمو المفقود، وذلك طبقًا لما يفهمه الكثير من الناس في مجتمعنا بأن القوة هي بقدر ما يمكنك السيطرة عليه لأجل الذات والذات فقط على حساب الآخرين ومدى قهرهم واستنزافهم أو استغلالهم، فهلا عقلنا يا عقلاء ما هو السمو الحقيقي، إنه بما تبذل لا بما تأخذ، وبما تعمل لا بما يُعمل لك، ولنا في بطل قصتنا ونضاله وما قدمه عبرة لأولي الألباب.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: