الثلثاء    27-06-2017م
غلاف العدد
العدد: 173 - رجب 1434 يونيو 2013م
الأعداد السابقة
استطلاع
إلى أي مدى تتفق أن يكون برنامج نطاقات آلية قوية لتوطين الوظائف؟

  أتفق تماما
 لا أتفق
 لا اعلم

باريس الشرق «شنغهاي»
تاريخ النشر : 17-06-2013 م
قال لي زميل عن مهندس معماري ايطالي كبير يقول: إذا أردت أن تعرف ماذا سيكون العالم عليه بعد مائة عام فاذهب إلى شنغهاي، أكبر مدينة في الصين وأكبر مدينة عالميًا من ناحية الكثافة السكانية، حيث يقطنها أكثر من 23 مليون نسمة. مدينة عالمية بتأثيرها السياسي، السياحي، التجاري، الاقتصادي، الثقافي، المالي، الإعلامي، الأزياء، التكنولوجيا، النقل، وربما تصبح مدينة القرن الواحد والعشرين. تقع مدينة شنغهاي على دلتا نهر يانج تزي شرق الصين، ويحدها من الشرق بحر الصين. منذ قرون أضحت مدينة شنغهاي مركزًا ماليًا وإداريًا للشحن والتجارة، وبالذات القرن التاسع عشر بعد انتصار بريطانيا في حروب الأفيون القذرة، حيث منحتها اتفاقية نانكنغ 1842 فرصة كبرى للازدهار والتجارة بين الشرق والغرب، وأصبحت مركزًا ماليًا في المحيط الهادي الآسيوي.  وبعدما سيطر الحزب الشيوعي توجهت التجارة نحو الدول الاشتراكية ليبهت أداؤها خلال الفترة الماوية. تمتاز شنغهاي بشهرتها السياحية ومعالمها التاريخية ومبانيها الأنيقة الشاهقة وحدائقها الجميلة ومناخها المعتدل وسحرها الأّخّاذ.
يبلغ عدد الصينيين حوالي مليار وأربعمائة ألف نسمة، خمس سكان العالم، 92% منهم من عرق الهان، وهي دولة ملحدة تنتشر فيها الكونفوشوسية، البوذية، الطاوية ودين الاسلام والمسيحية التي تسللت بجميع فرقها ونحلها حتى أن فرانسيس خافير أحد مؤسسي جمعية اليسوعيين والمطرود من اليابان لم يتمكن من دخول البر الصيني ومات عام 1552 في جزيرة Changchuanفي ساحل غواندونغ، بعدها أسس خليفته كلية سينت بولس في مكاو لفهم ثقافة ولغة البلد، وتستروا تحت تعليم العلوم الغربية كالرياضيات والفلك. الحكومة الصينية تعترف بـ 14 مليون مسيحي، والبعض يرى أن العدد يصل إلى 70 مليونًا. الوضع غير مرضي لدى المنصرين رغم الجهود الجبارة في نشر المسيحية، وفي رسالة من أسقف شنغهاي JinLuxianعام 2010 تحسر على الجهود المبذولة والثمرة الضئيلة، حيث ذكر أن الكاثوليك في شنغهاي عام 1949 كان عددهم 100 ألف أخ وأخت، واليوم وبعد 62 سنة وثلاثة أجيال متعاقبة لا يزال نفس العدد 100 ألف، والبروتستانت كانوا في عام 1949 عشرين ألفًا واليوم هم أكثر من 200 ألف، ثم يتساءل ويعاتبهم على أن الإحصاءات تشير إلى إنقاذ 20 روحًا سنويًا على يد كل قس؟! وهذا لا يتناسب مع الجهد والمال في استنقاذ تلك الارواح، ويستمر في حثهم وتحفيزهم حيث يقول: كانت كنائسنا عام 1951م 350 كنيسة مع مشقة المواصلات، ثم خبت أيام الثورة الثقافية الماوية، وفي 1982 تم إعادة فتح 5 كنائس، وفي 1988 أضفنا 30 كنيسة، والآن يوجد 148 كنيسة أليست كافية؟ ويستطرد قائلًا أنا لست ضد بناء الكنائس لقد أنفقنا عام 2010 مبالغ هائلة في بناء الكنائس مع أن بعضها لا يرتادها أحد، ويختم خطابه بكلام مؤثر وبليغ حيث يقول: لقد بلغت 96 عامًا وأنا انتظر نداء ربي، وإذا سألني ربي ماذا عملت بنعمي التي أنعمتها عليك؟ سأقول لقد بنيت كنائس كثيرة، لكن الرب سيوقفني ويقول هذه أشياء ثانوية، لا أريد حديدًا ولا سمنتًا أريد أرواحًا تنقذ ، كم انقذت من روح؟ 
الزائر لليابان والصين وكوريا يرى المظاهر المسيحية طاغية كشجرة الميلاد وبابا نويل حتى تظن أنك في بلد مسيحي صرف! بل قد لا تجد مثل ذلك في دول أوروبية، هناك جهود تبشيرية كبيرة في ظل غياب كامل للعرب والمسلمين ما عدا جمهورية إيران الإسلامية وحضورها التبشيري المتميز في اليابان وفي أوساط مسلمي الصين.
يمتد تاريخ الصين 5000 سنة، حكمتها سلالات متعاقبة حتى عام 1911، وتشتهر منذ القدم بصناعة الورق، البارود، الطباعة والبورسلان حيث لا تحلو قهوتنا العربية إلا في الفنجان الصيني المصنوع من البورسلان. والصينيون يحبون اللون الأحمر، وهو يعني لهم الازدهار والحظ السعيد. ولديهم  عادات جميلة كالكرم والصراحة والأمانة وحب الإيتيكيت.
الوجه القبيح والتاريخ الاستعماري للغرب بجرائمه في حق الإنسانية والنفعية الانتهازية التي تجعل رفاهية الرجل الأبيض في الاستمتاع بأرقى المساكن والملابس والمطعومات والمشروبات والمصنوعات بينما الفقر والعري ينهش في الشعوب المنكوبة بالاستعمار، وهذا ما فجر الثورة الصينية الأولى عام 1911 والتي فتحت مرحلة من اللا استقرار السياسي،القومي، الاجتماعي. لقد تعززت المصالح الاقتصادية الإمبريالية فالمصانع، السكك الحديدية، المناجم، الموانئ والسفن تتطور الى جانب البرجوازية الصينية والتي تشكل منها «الكومينتانغ» الحزب الوطني الشعبي الصيني والذي لن يمثل إلا مرحلة انتقالية من الثورة. وهنا تستغل اليابان ضعف نفوذ القوى الغربية بعد الحرب العالمية الأولى لتتقدم بالمطالب الواحد والعشرين والتي تهدف إلى تحويل الصين إلى محمية يابانية، لتستيقظ المشاعر القومية الصينية خصوصًا بعد مؤتمر فرساي 1919 وخسارة ألمانيا بعض مستعمراتها لصالح أطراف أخرى، ومن تلك الأراضي الألمانية مقاطعة «شاندونغ» الصينية التي آلت إلى اليابان عوضًا عن الصين مما تسبب بقلاقل وشغب، ونتيجة تشكل النظام العالمي الجديد  خسرت «الدولة العثمانية» أراضي شاسعة في أوروبا وآسيا وانتهت الخلافة بعد معاهدة فرساي بـ 5 سنوات، وتداعى عليها الأكلة لتقاسم تركة «الرجل المريض» الأمة النائمة كما وصفها هنري كيسنجر حيث حث على استثمار نومها لأنها لا تموت وإذا أفاقت فإنها تستعيد في سنوات ما فاتها في قرون. وها نحن اليوم تراق دماؤنا وتنتشر قبورنا وخيامنا في كل صقع.
  • print
  • email
  • comment
إرسال الموضوع إلى صديق
اسمك: بريدك:
اسم صديقك: بريد صديقك: